رئيس التحرير
عصام كامل

العنف السياسي في الولايات المتحدة:

قراءة في محاولة استهداف ترامب

18 حجم الخط

لم تكن الطلقات التي دوّت في محيط حفل عشاء مراسلي البيت الأبيض في واشنطن مساء السبت 25 ابريل مجرد حادث أمني عابر، يمكن إدراجه ضمن سجل الجرائم الفردية أو التهديدات الموسمية التي ترافق المناسبات السياسية الكبرى. 

فالواقعة التي استهدفت فعليًا مناسبة يحضرها الرئيس دونالد ترامب، وكبار أعضاء إدارته، وعدد كبير من الشخصيات الإعلامية والسياسية، أعادت إلى الواجهة سؤالًا أكثر عمقًا وخطورة؛ هل دخلت الولايات المتحدة مرحلة أصبح فيها العنف السياسي جزءًا من المشهد الداخلي الطبيعي؟


التحقيقات الأولية أشارت إلى أن المشتبه به،  كول توماس ألين Cole Tomas Allen، كان يحمل دوافع سياسية معادية لترامب وإدارته، وأنه أعد قائمة أهداف تضمنت مسؤولين كبارًا، قبل أن يطلق النار على أحد عناصر الخدمة السرية United States Secret Service  الذي نجا بفضل السترة الواقعية التي كان يرتديها. 

 

ورغم سرعة احتواء الموقف، فإن مجرد قدرة شخص مسلح على الاقتراب من فعالية بهذا المستوى من الحساسية يكشف أن الأزمة أعمق من مجرد ثغرة أمنية.


ما جرى في تلك الليلة يعكس مسارًا تراكم على مدى سنوات، حيث انتقلت السياسة الأمريكية تدريجيًا من التنافس الحزبي التقليدي إلى حالة استقطاب حاد تمزج بين الخوف والهويات المتصارعة ونزع الشرعية المتبادل. 

 

إذ لم يعد الجمهوريون والديمقراطيون يتعاملون مع بعضهم بوصفهم خصومًا سياسيين يمكن التداول معهم داخل المؤسسات، بل بات كل طرف، لدى قطاع واسع من أنصاره، يُنظر إليه باعتباره تهديدًا وجوديًا لمستقبل البلاد.


وبشكل عام، لا تعد هذه البيئة مجرد توصيف نظري، فاستطلاعات الرأي التي أجريت خلال السنوات الأخيرة أظهرت تراجع مستويات الثقة بالمؤسسات الفيدرالية، وارتفاع نسب الأمريكيين الذين يعتقدون أن النظام السياسي مختطف أو غير عادل. 

 

كما تصاعدت مستويات العداء بين التيارات المحافظة والتقدمية على قضايا الهوية والهجرة والعرق والإجهاض والسلاح والدين ودور الدولة. وعندما تتحول السياسة إلى صراع هوياتي، يصبح التنازل خيانة، ويصبح الخصم عدوًا، ويصبح العنف، لدى بعض الأفراد، خيارًا يمكن تبريره.


وفي هذا السياق، يصعب فهم الحادث من دون فهم موقع دونالد ترامب في المشهد الأمريكي، فمنذ صعوده السياسي، لم يكن ترامب مجرد مرشح جمهوري تقليدي، بل تحوّل إلى ظاهرة سياسية أعادت تشكيل الحزب الجمهوري، وكسرت أنماط الخطاب السياسي التقليدي، وأطلقت انقسامًا واسعًا حول معنى الدولة الأمريكية نفسها.


فبالنسبة لمؤيديه، يمثل ترامب تحديًا للنخب السياسية والإعلامية والبيروقراطية التي يُنظر إليها بوصفها منفصلة عن أمريكا الحقيقية. وبالنسبة لخصومه، فإنه يجسد الشعبوية، وتقويض الأعراف الديمقراطية، وإعادة إنتاج خطاب الانقسام. وبين هذين التصورين، أصبح ترامب محورًا دائمًا للتوتر، بحيث إن أي حادث يتعلق به يتحول تلقائيًا إلى أزمة وطنية.
 

ولذلك فإن محاولة استهدافه لا تُقرأ فقط كاستهداف لشخص رئيس، بل كاستهداف لرمز سياسي يختصر جزءًا كبيرًا من الانقسام الأمريكي الراهن. كما أن الحادث يمنح أنصاره مادة إضافية لتعزيز رواية الاستهداف السياسي، ويمنح خصومه في المقابل فرصة للتنبيه إلى خطورة المناخ الذي صنعه الجميع.


بجانب ذلك، لا يمكن فصل الحادث الأخير عن سلسلة أحداث هزت الولايات المتحدة خلال الأعوام الماضية، ففي يناير 2021، اقتُحم مبنى الكابيتول في سابقة غير معهودة، في مشهد أظهر هشاشة الحواجز النفسية والمؤسسية أمام العنف السياسي. ومنذ ذلك الحين، تزايدت التهديدات ضد أعضاء الكونغرس، والقضاة، وموظفي الانتخابات، والمسؤولين المحليين.


كما شهدت البلاد حوادث استهداف لمقار حزبية، واعتداءات على مرشحين محليين، وارتفاعًا في لغة التخوين والتحريض على المنصات الرقمية. ووفق تقارير أمنية أمريكية متعاقبة، بات التطرف الداخلي، سواء من اليمين المتشدد أو من جماعات فردية ذات دوافع أيديولوجية متنوعة، من أبرز التهديدات للأمن الوطني الأمريكي.


بصورة عامة، لا يعني هذا المشهد أن حادثة واشنطن ليست استثناءً أو حالة شاذة عن السياق، بل امتداد له. إنها حلقة جديدة في مسار انتقلت فيه بعض أشكال الغضب السياسي من الإنترنت إلى الشارع، ومن الخطاب إلى السلاح.


العنف السياسي الذي يخيم على المشهد العام بالولايات المتحدة لا يمكن فصله البنية القانونية والاجتماعية المرتبطة بحيازة السلاح؛ فالولايات المتحدة تضم عددًا من الأسلحة المدنية يفوق عدد السكان في بعض التقديرات، وتتمتع فيها حقوق حمل السلاح بحماية دستورية راسخة. 

ورغم الاختلاف بين الولايات في القيود التنظيمية، فإن الوصول إلى السلاح يبقى أسهل بكثير من معظم الديمقراطيات الغربية.


في بيئة سياسية مستقرة، قد لا يؤدي انتشار السلاح بالضرورة إلى عنف سياسي، لكن حين يقترن الاستقطاب الحاد، ونظريات المؤامرة، وفقدان الثقة، وسهولة التسليح، تصبح المعادلة أكثر قابلية للانفجار. فالفارق بين شخص غاضب وشخص قادر على تنفيذ فعل عنيف يصبح في أحيان كثيرة مجرد توفر الوسيلة.


المشهد الإعلامي هو الآخر لا ينفصل عن الأزمة الراهنة، ففي السابق، كانت المؤسسات الإعلامية الكبرى تمثل، رغم الانحيازات، مساحة مشتركة يتلقى عبرها المواطنون قدرًا من الحقائق المتفق عليها. أما اليوم، فقد أدت المنصات الرقمية إلى تشظي المجال العام إلى جزر منفصلة، يعيش كلٌ منها داخل سرديته الخاصة. 

فالخوارزميات تكافئ الغضب والإثارة، والمحتوى المتطرف ينتشر أسرع من المحتوى المتوازن، والمستخدم يجد نفسه محاطًا بأشخاص يشاركونه القناعات ذاتها. وفي مثل هذا السياق، يصبح من السهل على بعض الأفراد أن يقتنعوا بأن العنف ليس جريمة، بل واجب أخلاقي ضد خصم شيطاني.


ولهذا لم يكن مفاجئًا أن تشير التحقيقات إلى بيان أعده المهاجم يبرر أفعاله سياسيًا وأخلاقيًا. فاللغةُ التي يستخدمها المتطرفون الأفراد غالبًا ما تعكس البيئة الخطابية التي يتحركون داخلها.


ماذا يعني ذلك انتخابيًا؟

بطبيعة الحال، إذا وقع الحادث في لحظة انتخابية، فإن تأثيره يتجاوز الأمن إلى السياسة المباشرة. فالرئيس أو المرشح الذي يتعرض لمحاولة اعتداء غالبًا ما يستفيد من موجة تعاطف، ويظهر في صورة القائد المستهدف الذي يواجه المخاطر. 

 

وقد شهد التاريخ الأمريكي أمثلة عديدة على ارتفاع شعبية الرؤساء في لحظات الخطر. لكن التأثير الأعمق يتمثل في دفع الحملات الانتخابية نحو مزيد من الأمننة والخوف، بدل النقاش حول الاقتصاد والصحة والتعليم. فكل حادث من هذا النوع يعيد تشكيل أولويات الناخبين، ويمنح الخطابات المتشددة مساحة أوسع.


ما سبق يفرض سؤالا مهما: هل الديمقراطية الأمريكية في خطر؟ وللإجابة فإنه من المبكر الحديث عن انهيار مؤسساتي، فالولايات المتحدة ما تزال تمتلك قضاءً قويًا، وانتخابات دورية، ومجتمعًا مدنيًا نشطًا، وصحافة مؤثرة. لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في غياب المؤسسات، بل في تآكل الثقافة الديمقراطية التي تمنح المؤسسات معناها. 

 

فالديمقراطية لا تقوم فقط على صناديق الاقتراع، بل على قبول الهزيمة، والاعتراف بشرعية الخصم، والاحتكام إلى القانون، والإيمان بأن التغيير يتم عبر السياسة لا العنف. وهذه القيم تعرضت خلال السنوات الأخيرة لضغط غير مسبوق. وحين يبدأ المواطن في النظر إلى منافسه السياسي كخائن أو عدو داخلي، تصبح الديمقراطية قائمة شكليًا لكنها ضعيفة جوهريًا.

غاية القول، إن محاولة استهداف ترامب في واشنطن ليست حادثًا أمنيًا معزولًا، بل إنذار جديد بأن الولايات المتحدة تواجه أزمة داخلية مركبة؛ استقطاب سياسي حاد، وثقة متراجعة بالمؤسسات، وانتشار واسع للسلاح، وبيئة إعلامية تغذي الغضب أكثر مما تعزز الحوار. 

لكن السؤال الذي يواجه أمريكا اليوم لم يعد فقط كيف تحمي رئيسها أو مرشحيها، بل كيف تحمي الفكرة التي قامت عليها جمهوريتها، أن الخلاف يُحسم بالكلمة والصندوق، لا بالرصاص.

الجريدة الرسمية