رئيس التحرير
عصام كامل

هل بدأ العد التنازلي للتخلي الأمريكي عن تايوان؟

18 حجم الخط

في تاريخ السياسة الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية لم تتعهد الولايات المتحدة بصورة قاطعة جازمة بالحماية والاستعداد للتدخل العسكري سوى لإسرائيل وتايوان، الأولى لأسباب كثيرة متداخلة ومعقدة، والثانية لأنها عصب الهيمنة الأمريكية العالمية، ومنطلق النفوذ الأمريكي المطلق في جنوب شرق آسيا لا سيما البحري، ومن ثم، تحظى تايوان بأهمية تفوق أهمية إسرائيل بأشواط التي باتت تشكل عبئا كبيرا لها وفقا للخبراء الاستراتيجيين.

لكن ذلك الالتزام بالحماية لم يكن داعمًا يوما ما باستقلال الجزيرة تماما عن الصين، بل الحفاظ على الوضع الراهن “دولة واحدة ذات نظامين”. في ولاية ترامب الأولى، وولاية بايدن، تصاعدت حدة التوتر بين واشنطن وبكين على تايوان بصورة غير مسبوقة لاسيما على خلفية مبيعات السلاح الأمريكي المتطورة لتايوان، وذلك كرد فعل على التصعيد الصيني الواسع تجاه تايوان؛ والذي ينذر باستعداد الصين لضمها قسرًا، باعتبار أن ضمها أمر محسوم للصين أجلا أم عاجلًا.

وفقًا لتايوان والخبراء، تعد زيارة ترامب الأخير للصين مايو 2026، الأسوأ لتايوان على الإطلاق منذ تدشين سياسة الالتزام، بل هي نذير شؤم لها. في المقام الأول، لم تحظ تايوان بأهمية تذكر في زيارة ترامب على عكس ما كان متوقعًا بقوة، حيث تغلبت أولوية حرب إيران والحرب التجارية على الزيارة.. 

وفي المقام الثاني وهو الأخطر، هو كم التصريحات التي أدلى بها ترامب للصحفيين بشأن تايوان، ففي تصريح خطير للغاية قال ترامب إن قيادة تايوان الحالية تسعى للاستقلال وجر الولايات المتحدة لحرب مع الصين، كما اتهم تايوان بسرقة صناعة أشباه الموصلات من الولايات المتحدة مطالبا تايوان بعودتها كاملة إلى الولايات المتحدة.. 

كما صرح أيضا، بأن التشاور مع الصين بات ضروريا قبل إجراء صفقات سلاح مع تايوان، في تناقض تام لتشريعات بيع الأسلحة المتطورة لتايوان الصادرة عن الكونجرس في ولاية بايدن، وكان ترامب قد أرجاء قبل الزيارة صفقة سلاح ضخمة لتايوان تناهز الـ13 مليارا قد وافق عليها الكونجرس.

سياسة ومزاج ترامب الخاص، أم بدء تخلٍّ أمريكي عن تايوان؟

قلب ترامب ثوابت وأهداف وتوجهات السياسة الخارجية الأمريكية رأسا على عقب إثر عقيدته الشعبوية ونهج الصفقات؛ بيد أن الرئيس الأمريكي فيما يتعلق بالقضايا الاستراتيجية الكبرى الحساسة مثل تايوان ليس مطلق اليد كما يتصور الكثيرون، كما أن الكونجرس أيضا الذي يشارك الرئيس في صنع وتوجيه السياسة الخارجية ليس مطلق اليد كذلك رغم نص الدستور الأمريكي على ذلك. 

فتلك القضايا التي تتعلق بالهيمنة الأمريكية ومصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية الحساسة، تلعب عدة دوائر داخلية (الدولة العميقة) لا سيما البنتاجون دورًا حاسمًا فيها، إلى جانب جماعات المصالح ومراكز الأبحاث التي لديها رؤى ثاقبة فيها. 

في ديسمبر 2025، أطلقت إدارة ترامب استراتيجية الأمن القومي الجديدة - والتي يتم صنعها داخل أروقه الدولة العميقة - الوثيقة حملت مفاجأة غير متوقعة وهى إحياء مبدأ مونرو أي إعادة توجيه التركيز والنفوذ المطلق نحو نصف الكرة الغربي بدلا من آسيا. 

وهذا التحول يحمل في طياته أمورا كثيرة جليه، على رأسها تخلى الولايات المتحدة عن مسألة الهيمنة العالمية المطلقة، وبالتبعية التخلي عن مسالة الحرب الباردة مع الصين على الهيمنة، وهو ما صرحت به الوثيقة ضمنيا بالنص بأن الصين منافس اقتصادي فقط، بعكس ما اعتادت الوثائق السابقة على وصف الصين صراحة بأنها قوى مراجعة تسعى إلى تقويض الهيمنة الأمريكية والنظام الدولي النيوليبرالى.

وبالتبعية أيضا، لم تنص الوثيقة على تخلٍّ أمريكي مطلقا عن تايوان، لكنها نصت صراحة على ضرورة اعتماد تايوان على نفسها، وفكرة المشاركة الدولية للدفاع عن تايوان، عبارات تؤشر جليًا على أن الالتزام الأمريكي المطلق المنفرد بحماية تايوان قد بات على المحك.

وإحياء مبدأ مونرو في واقع الأمر هو محاولة واقعية أخيرة لإنقاذ القوة الأمريكية أو الحفاظ على هيبتها الدولية دون تعميق الانغماس في العالم والانخراط في صراعات بعيدة عن محيطها تبدد قوتها ومواردها المتدهورة أصلًا كما كان قبل الحرب العالمية الثانية، إذ كانت الولايات المتحدة قوى عظمى لكنها منعزلة عن العالم. 

ومن ثم أيضا، فإحياء المبدأ هو ضوء أخضر للقوى الكبرى لإعادة تقسيم مناطق النفوذ في العالم - وهو ما تدركه الصين جيدًا - أي لا مانع لدى واشنطن من هيمنة صينية خالصة على جنوب شرق آسيا محيطها الإقليمي، شريطة عدم تمديد هذا النفوذ إلى نصف الكرة الغربي ذات الهيمنة الأمريكية الخالصة.

خلاصة القول، نظن أن زيارة ترامب الأخيرة للصين قد كشفت بجلاء بداية العد التنازلي للتخلي الأمريكي التام عن تايوان والتي تعد قضية الخلاف الرئيسة مع الصين وشرارة الحرب العالمية الثالثة. 

فتايوان بعيدة نسبيا عن أولوية نصف الكرة الغربي، وسبب صراع لا داعى له مع الصين قد يؤدي إلى حرب نووية، في حين عدم ممانعة أمريكية من هيمنة صينية مطلقة على جنوب شرق آسيا والباسيفيك، إثر الحفاظ على ما تبقى من هيمنة أمريكية، وقناعة راسخة بصعوبة تقويض الصين.

الجريدة الرسمية