رئيس التحرير
عصام كامل

حرب إيران ودوافع حسابات ترامب

18 حجم الخط

لا يزال قرار ترامب بخوض الحرب ضد إيران يثير جدالًا واسعًا، إذ من جانب ثمة غموض بشأن أهداف ودوافع ترامب الحقيقية من تلك الحرب، ومن جانب آخر أن الحرب تصطدم بمجموعة حقائق وتحديات من بينها، اصطدامها بعقيدة ترامب وقاعدته الشعبوية الداعمة "ماجا" "تجنب الحروب المكلفة الطويلة".          

 

خوض الحروب ذاتها وحتى وإن كانت دون تمركز برى ليس بالقرار السهل للولايات المتحدة، ولا يتخذه الرئيس وحده، والانخراط في حرب ضد إيران تحديدًا ليس أيضا بالأمر السهل، وبقى محل اعتراض داخلي واسع لعقود بسبب تداعياته الخطيرة.


في ديسمبر 2025 أصدرت إدارة ترامب وثيقة الأمن القومى الأمريكي تمحورت حول أولوية التركيز على نصف الكرة الغربي أو إحياء مبدأ مونرو، مع مزيد من التهميش للمنطقة، وكانت أولي تجليات ذلك اعتقال رئيس فنزويلا "مادورو"، ولعل ذلك مدعاة أخرى مثيرة للجدل لقرار ترامب بالحرب بعد تحديد الأولوية الاستراتيجية الجديدة والتي على إثرها صنفت الصين لأول مرة كمنافس اقتصادي فقط وليس تحدى استراتيجي.


شن ترامب الحرب بزعم إزالة التهديد الحالي أو الوشيك الخطير للولايات المتحدة المتمثل في البرنامج النووي وقدرات إيران العسكرية بصورة عامة خاصة منظومة الصواريخ، بيد أن مزاعم ترامب لم تكن مقنعة بشكل كافئ حتى داخل الحزب الجمهوري وحركة ماجا. 

مما فسح المجال لتحليلات مطولة زاعمة بدوافع استراتيجية عميقة لترامب والولايات المتحدة من تلك الحرب التي تكلفت قرابة الأربعين مليار دولار، ومقتل نحو 13 جندي أمريكي لا سيما في ضوء تجاوزها للتحديات والحقائق السابقة بصورة عجيبة.


ثمة عدة معطيات رئيسة تضع في الاعتبار للاقتراب من دوافع وحسابات ترامب من الحرب، في مقدمتها شخصية وعقيدة ترامب ذاتها التي تتميز بالنرجسية وعدم الدراية الكافية بالشئون الاستراتيجية وأولوية المصالح الاقتصادية ودعمه الراسخ لإسرائيل، وثانيًا مدى قدرة إسرائيل واللوبيات الداعمة لها في التأثير على القرار الأمريكي لأن الحرب في المقام الأول والأخير لصالح إسرائيل.


الدعم الأمريكي لإسرائيل أو بالأحرى ببقائها وحماية أمنها دعمًا راسخًا لن يتزعزع بسهولة، ويعزو ذلك لعدة اعتبارات أهمها داعميها داخل كل المفاصل الحيوية في الولايات المتحدة لا سيما المؤسسات الرسمية فضلا عن الدعم الواسع من جانب الكنائس الإنجيلية، وسطوة اللوبيات الداعمة لإسرائيل في الولايات المتحدة المهيمنة تقريبا على الاقتصاد والإعلام ومراكز الأبحاث الكبرى.


وواقع الأمر، أن هؤلاء الداعمين وهم أغلبية في إدارة ترامب ويشغلون أخطر المناصب مثل روبير وزير الخارجية وهيغسيت وزير الدفاع، وتلك اللوبيات قد توافقت واتحدت أيضا مع رؤية نتنياهو بحتمية الحرب على إيران للحيلولة في أسرع وقت ممكن دون امتلاكها للسلاح النووي الذي سيشكل أخطر تهديد لبقاء لإسرائيل منذ زرعها عنوة في المنطقة.. 

لا سيما وأن إيران كانت تمتلك يورانيوم مخصب بنسبة عالية لإنتاج القنبلة النووية في غضون أسبوعين، وذلك قبل حرب ال12 يوما، التي تم فيها تدمير المنشآت النووية لكن دون التمكن من الاستحواذ على اليورانيوم المخصب وهو أهم أهداف الحرب الحالية والمفاوضات الجارية على الإطلاق.


بخلاف دعمه التام لإسرائيل كأكثر رئيس في تاريخ الولايات المتحدة دعما لإسرائيل، وعلى حساب مصالح وسمعة الولايات المتحدة في بعض الأحيان؛ وهذا في حد ذاته يعد دافعًا قويا لترامب لخوض الحرب.. 

لكن بجانب ذلك كان لترامب حسابات وتصورات أخرى في أغلب الظن لا سيما في ضوء تجاوزه لعقيدة عدم شن الحروب المكلفة الطويلة، ودرايته التامة بأن تلك الحرب ستؤثر على مصداقيته وشعبيته داخل ماجا وبين الرأي العام الأمريكي عموما الرافض لتلك الحرب بنسبة تجاوزت ال75% بحسب استطلاع مركز "بيو" الأخير.


من منطلق نرجسية وغرور ترامب الذى تضخم بشكل مفرط بعد اعتقال مادورو، وضحالة معرفته بالشئون العسكرية والاستراتيجية وتوازن القوى؛ تصور ترامب أن تلك الحرب ستكون خاطفة أسبوع على الأكثر سيسقط أو يستسلم النظام الإيراني، وقد ألمح إلى ذلك مرارًا، ثم ألقى مسؤولية طول الحرب وتعقدها على معلومات خاطئة من مسؤوليه.


وإن كانت الصين لم تكن في حسابات ترامب ودوائر صنع القرار الداخلية التي أقنعت ترامب ودفعته لخوض الحرب بالأساس؛ بيد أنه قد كشفت تقارير وتسريبات أن ترامب وبعض المسؤولين قد وجدت في الحرب فرصة عظيمة لتقويض الصين وذلك من حيث سقوط أهم حلفائها، ومن جانب آخر التحكم التام في نفط إيران الذي يشكل مع نفط فنزويلا قرابة 40% من احتياطي العالم.


خلاصة الأمر، تجرى حاليا في باكستان مفاوضات لإنهاء الحرب بين واشنطن وطهران، ويتبدى من خلال بنود التفاوض الأمريكية الصارمة أن واشنطن مصممة على أهدافها الأساسية وعلى رأسها نزع البرنامج النووي تمامًا.. 

وعلى الأرجح أيضا أن المفاوضات لن تنجح وتعود عجلة الحرب من جديد ولن تتوقف حتى تحقق واشنطن أهدافها لوجود رئيس دائم لإسرائيل بصورة مطلقة، وداعمين مؤثرين كثر لإسرائيل داخل الولايات المتحدة؛ يرتبط ترامب رجل الأعمال بمصالح كبيرة معهم، ويضع لهم أي رئيس أمريكي فى حقيقة الأمر ألف حساب.

الجريدة الرسمية