هل تمثل حرب إيران نهاية عصر الدعم الأمريكي لإسرائيل؟
كما هو معروف أن إسرائيل منذ زرعها في المنطقة وهي الدولة الاستثنائية الوحيدة للولايات المتحدة، من حيث الدعم المطلق غير المشروط لبقائها وأمنها، فهي فعليًا بمثابة الولاية الـ 51 الأمريكية، وأسباب ذلك معروفة أيضًا.
حتى مطلع الألفية الجديدة كان ذلك الدعم المطلق من المقدسات غير المسموح مطلقًا المساس بها، وكان أيضًا من المسائل القليلة ذات الإجماع بين المؤسسات الأمريكية خاصة الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
منذ العام 2005 بدأت تظهر أصوات قليلة، لا سيما في الحزب الديمقراطي، منتقدةً لإسرائيل -على استحياء- بسبب بناء المستوطنات في الضفة، ومن ثم تشويه سمعة واشنطن كوسيط نزيه، ورويدًا رويدًا تزايدت تلك الأصوات المنتقدة، موسعةً كذلك مناحي الانتقادات بحيث بدأت تتساءل عن جدوى ذلك الدعم المطلق، حيث تذهب مليارات الدولارات سنويًا في هيئة أموال وأسلحة لدولة غنية لا تخدم مصلحة أمريكية حيوية، وتنتهك القانون الدولي.
وعلى هذا الأساس، انطلقت الأصوات الأخطر المحذرة من الخطر والعبء الشديد لإسرائيل على واشنطن، إذ غدت عائقًا شديدًا أمام انسحاب أمريكي تام من المنطقة التي لم تعد ذات أهمية استراتيجية كبيرة، ومفسدًا لعلاقات ومصالح واشنطن في المنطقة ومع العالم الإسلامي.
إن تلك المعارضة النخبوية والأكاديمية لإسرائيل كانت تسير بالتوازي مع تزايد رقعة الرأي العام الأمريكي الرافض للدعم المطلق لإسرائيل؛ ففي 2011 كشف استطلاع خطير لمركز بيو أن 40% من الشباب الأمريكي، لا سيما من الحزب الديمقراطي، يرفضون ذلك الدعم.
رغم صلابة الدعم الأمريكي لإسرائيل تحت وطأة القوة السياسية والمالية والإعلامية الطاغية للوبيات الداعمة لإسرائيل، والدعم الواسع للكنيسة الإنجيلية؛ بيد أن اهتزاز ذلك الدعم منذ الألفية الجديدة قد تأتى نتيجة للتغيرات الواسعة الداخلية والخارجية التي تشهدها الولايات المتحدة..
فاجتماعيًا وسياسيًا وديموغرافيًا لم تعد الولايات المتحدة كما كانت من قبل؛ حيث الزيادة الرهيبة في تعداد الأقليات والمهاجرين، مع زيادة عدد الشباب المتمرد على كلاسيكيات السياسة الأمريكية، وتنامٍ لافت لأيديولوجيات سياسية مختلفة مثل الشعبوية والنسوية، مع إحياء واسع لليسار.
وخارجيًا، لم تعد الولايات المتحدة تتمتع بالهيمنة المطلقة مع اقتصاد مترنح، وتحدٍ صيني خطير للهيمنة الأمريكية، وهذا من شأنه قطعًا التأثير على الدعم المطلق لإسرائيل من زوايا متعددة. وهو ما تبدى في أوضح صوره في حرب غزة من حيث معارضة كبيرة في الكونغرس لتزويد إسرائيل بالسلاح بسبب حرب الإبادة الشنيعة هناك، وفرض عقوبات على مستوطنين يهود في الضفة..
وتوترات مستمرة بين إدارة بايدن ونتنياهو، وتظاهرات واعتصامات طلابية لم تشهدها الجامعات الأمريكية منذ حرب فيتنام، ناهيك عن استطلاعات رأي متعددة أظهرت زيادة مستوى الكراهية الشعبية لإسرائيل.
حرب إيران والمعارضة غير المسبوقة لإسرائيل
شهدت الحرب الأمريكية على إيران التي انطلقت في فبراير 2026 معارضة داخلية واسعة وشاملة أيضًا، حيث تضمنت أقرب حلفاء ترامب في حركة ماجا والحزب الجمهوري.
ومنطلقات المعارضة متعددة، لكنها جميعًا تمس إسرائيل والدعم الأمريكي المطلق لها، فالرأي العام الأمريكي منذ الساعات الأولى للحرب وهو على يقين أنها لصالح إسرائيل ولا مصلحة أمريكية منها تمامًا، كما أن ذريعة تهديد إيران لأمن الولايات المتحدة التي تروجها إدارة ترامب لم تنطلِ على أحد.
ومع تفاقم الخسائر الأمريكية الناجمة عن الحرب الاقتصادية والبشرية والسياسية أيضًا، حيث تزايد التوتر مع حلفاء واشنطن وتشويه سمعة الولايات المتحدة عالميًا في حرب لا تخدم إلا إسرائيل، تزايدت حدة المعارضة والكراهية، بالترافق مع زيادة الاعتقاد بأن إسرائيل باتت عبئًا شديد الخطورة على واشنطن.
فاستطلاعات الرأي الأمريكية قد خلصت إلى أن أكثر من 60% من الأمريكيين خاصة الشباب يرون أن الحرب كانت خطأً كبيرًا وأن إسرائيل غدت عبئًا بالغ الخطورة. وداخل الحزب الديمقراطي المليء بالداعمين لإسرائيل، ظهرت جبهة غير مسبوقة رافضة للحرب واستمرار دعم إسرائيل بالسلاح، منددة بالعبء الخطير لإسرائيل، وهو ما انعكس في تصويت رفض الكونجرس في أبريل الماضي تمرير قرار لتزويد إسرائيل بأسلحة هجومية.
وداخل الحزب الجمهوري ظهرت لأول مرة أصوات بارزة بقوة مثل توماس ماسي تندد بالدعم غير المشروط لإسرائيل وكارثية الحرب، وكان الأكثر إثارة للانتباه هو الانقسام داخل حركة ماجا الداعم الأساسي لترامب بسبب الحرب..
وأبرز مظاهر ذلك الانقسام هو تاكر كارلسون، أبرز حلفاء ترامب، عندما صرح بأن الحرب قد ألحقت أضرارًا بالغة بأمريكا، وأن إسرائيل عبء تام لا تقدم أية قيمة استراتيجية لأمريكا بل تستنزفها تمامًا.
نافلة القول، يمكن الجزم بأن حرب إيران تدق المسمار الأخير في نعش الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل؛ فكم المعارضة للحرب وإسرائيل كشف بجلاء أنها باتت عبئًا خطيرًا لا يمكن للولايات المتحدة الاستمرار في تحمله..
إذ هي عبء اقتصادي، وعبء أمام التحرر من الحروب الأبدية (عقيدة ترامب وماجا)، ومسبب للانقسام النخبوي والشعبي، وعبء أمام التفرغ التام لمواجهة التحدي الصيني، ومفسد لمصالح وعلاقات واشنطن في المنطقة.
والمشكلة أن ذلك العبء يتزايد، ودفع واشنطن لحرب -ربما للمرة الأولى في تاريخها- ليس لها أية مصلحة فيها، في ظل سياق داخلي وخارجي تعيشه أمريكا مختلف تمامًا عن السابق.
