رئيس التحرير
عصام كامل

المكالمة الأخيرة

18 حجم الخط

في الطابق الثالث من إحدى العمارات القديمة بحيّ مصر الجديدة، كانت تعيش مريم وحدها منذ وفاة زوجها. لم يكن الحزن أكثر ما أتعبها.. بل الصمت. ذلك الصمت الطويل الذي يملأ البيت بعد منتصف الليل، حين تنتهي المكالمات القليلة، ويهدأ الشارع، ولا يبقى سوى صوت الساعة المعلقة فوق الثلاجة.

 

كانت مريم قوية أمام الجميع. تبتسم للخادمات في الكنيسة، تطمئن جاراتها، وتقول دائمًا: الحمد لله.. أنا بخير. لكن الحقيقة أنها لم تكن بخير أبدًا. فمنذ رحيل زوجها، أصبحت تحمل كل شيء وحدها: أقساط البيت، علاج والدتها، مشاكل ابنها المراهق، وخوفها الدائم من المستقبل.

 

حتى الصلاة صارت متعبة. كانت تقف أمام الأيقونة أحيانًا دون أن تعرف ماذا تقول. وفي مساء خانق من شهر أغسطس، عادت إلى البيت مرهقة بعد يوم طويل. ألقت حقيبتها على الأريكة وجلست في الظلام دون أن تشعل الأنوار. وفجأة.. رن هاتفها. كان المتصل رقمًا غريبًا.

 

ترددت قليلًا ثم أجابت: ألو؟ جاءها صوت امرأة مسنة: معلش يا بنتي.. يبدو أنني أخطأت في الرقم. ثم سكتت المرأة لحظة وأضافت بصوت مرتبك: كنت أريد ابني.. أشعر بتعب شديد اليوم. لا تعرف مريم لماذا لم تُغلق المكالمة. قالت بهدوء: هل أنت وحدك؟

 

أجابتها السيدة: نعم.. ابني مسافر منذ سنوات. شعرت مريم بشيء يضغط قلبها فجأة. الصوت يشبهها بطريقة ما. قالت: هل تحتاجين شيئًا؟ ضحكت السيدة بخفة: فقط كنت أريد أن أسمع صوتًا يطمئنني.

 

ساد الصمت بينهما لثوانٍ. ثم بدأت المرأة تتحدث. عن وحدتها.. وعن خوفها من الليل.. وعن زوجها الذي رحل منذ زمن.. وعن كوب الشاي الذي ما عادت تحب أن تشربه وحدها. ومع كل كلمة، كانت مريم تشعر كأن أحدًا يفتح نافذة داخل قلبها المغلق منذ شهور.

 

وحين انتهت المكالمة، قالت السيدة: سامحيني.. أثقلت عليكِ. أجابت مريم بسرعة: لا.. أبدًا. ثم فوجئت بنفسها تسأل: هل يمكن أن أتصل بكِ غدًا؟ ضحكت المرأة للمرة الأولى وقالت: سأنتظر. 

 

ومنذ ذلك اليوم، صار بينهما موعد يومي. مكالمة قصيرة كل مساء. أحيانًا تتحدثان.. وأحيانًا تصمتان فقط بينما تسمع كل واحدة أنفاس الأخرى في الطرف الثاني. والغريب أن مريم بدأت تتغير. صار صوتها أهدأ. وغضبها أقل. وحتى صلاتها عادت شيئًا فشيئًا.

 

وذات ليلة، بينما كانت ترتب بعض الأوراق القديمة، سقط كتابها المقدس على الأرض. انفتح تلقائيًا على رسالة بطرس الأولى. وقعت عيناها على الآية: “مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ هُوَ يَعْتَنِي بِكُمْ.”
(1 بط 5: 7) بقيت تنظر إليها طويلًا. ثم جلست تبكي. لأنها أدركت فجأة أنها كانت تحاول أن تحمل العالم كله وحدها.. بينما الله كان يرسل لها كل يوم دليلًا صغيرًا أنه ما زال يسندها.

 

في اليوم التالي، اتصلت بالسيدة كعادتها.. لكن الهاتف ظل مغلقًا. حاولت مرة.. واثنتين.. وعشرًا. حتى جاءها الرد أخيرًا من رجل غريب. قال بهدوء: والدتي رحلت صباح اليوم. تجمدت الكلمات في حلق مريم. ثم سمعته يكمل: لكن قبل رحيلها طلبت مني شيئًا غريبًا.

سكت لحظة وأضاف: قالت لي: “لا تنسَ أن تشكر السيدة التي جعلتني أنام مطمئنة كل ليلة.” أغلقت مريم الهاتف ببطء. ونظرت حولها إلى البيت الصامت. لكنه لم يعد موحشًا كما كان. اقتربت من الأيقونة، وأغمضت عينيها هامسة: سامحني يا رب.. لأنني ظننت أنني وحدي. وفي تلك الليلة.. لأول مرة منذ سنوات.. نامت دون خوف.

الجريدة الرسمية