السيناريو ثم السيناريو ثم السيناريو
كيف يرى الجيل الجديد العالم؟ وكيف يحاول التعبير عن قلقه وأسئلته عبر الصورة؟ يبدو هذا السؤال اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى، خصوصا في زمن أصبحت فيه الصورة هي اللغة الأكثر حضورا وتأثيرا في تشكيل وعينا الإنساني.
ومن هنا تكتسب السينما أهميتها كونها فنا قادرا على التقاط التحولات النفسية والاجتماعية والسياسية التي نعيشها الآن، ليس باعتبارها مجرد وسيلة للترفيه فقط، بل بوصفها أداة للفهم والتأمل وإعادة قراءة الواقع ومحاولة إصلاحه.
في هذا الإطار جاءت الدورة الأولى من مهرجان البريكس الدولي لأفلام الطلبة، التي استضافتها أكاديمية الفنون، تحت رعاية دكتورة نبيلة حسن ودكتورة منى الصبان، لتطرح نموذجا مختلفا للمهرجانات السينمائية، حيث إنه نموذج يقوم على منح المساحة للأصوات الشابة كي تعبر عن رؤيتها للعالم، بعيدا عن القوالب التجارية الجاهزة أو الحسابات الإنتاجية التقليدية.
فالمهرجان الذي تنظمه المدرسة العربية للسينما والتليفزيون برعاية الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة، لم يكن مجرد تجمع طلابي أو مناسبة احتفالية عابرة، بل محاولة جادة لإعادة التفكير في هدف السينما ووظيفتها داخل عالم ممتلئ بالتحولات والاضطرابات.
لقد كشفت الأفلام المشاركة، القادمة من دول البريكس المختلفة، عن حالة واضحة من القلق الإنساني المشترك، رغم اختلاف البيئات والثقافات، فهناك أسئلة عن الهوية والاغتراب، والذاكرة، والخوف من المستقبل، والتحولات الاجتماعية المتسارعة، وكلها قضايا جُسدت داخل الأعمال ليست بطريقة مباشرة، ولكن من خلال الصورة والإيقاع والرمز والبناء الدرامي متناغمين.
وهذا تحديدا ما يمنح التجربة قيمتها الحقيقية، إذ لم يكن الهدف تقديم إجابات نهائية، بقدر ما كان السعي إلى خلق مساحة للتأمل والحوار.
ومن اللافت أن كثيرا من هذه الأعمال اعتمد على حس بصري بسيط لكنه صادق، ما يؤكد أن قوة السينما لا تكمن دائما في الإمكانيات الإنتاجية الضخمة، ولكن في امتلاك رؤية فنية قادرة على تحويل التفاصيل اليومية إلى لحظات إنسانية ذات معنى. وهنا تحديدا تبرز أهمية السيناريو كونه العمود الفقري الحقيقي لأي عمل سينمائي ناجح.
فالسيناريو ليس مجرد مرحلة تمهيدية تسبق التصوير، بل هو البنية الفكرية والدرامية التي تمنح الفيلم تماسكه الداخلي، فقد تبهر الصورة العين للحظة، لكن الكتابة الجيدة هي التي تمنح الفيلم القدرة على البقاء داخل الذاكرة للأبد. إن السيناريو هو الفن الذي يحول الفكرة المجردة إلى حياة، ويمنح الشخصيات عمقها النفسي، ويخلق العلاقات بين الزمن والمكان والصراع الإنساني.
ولعل أكثر ما كشفته عروض المهرجان أن الأفلام التي تركت أثرا حقيقيا لم تكن بالضرورة الأكثر تعقيدا على المستوى التقني، بل تلك التي امتلكت كتابة واعية قادرة على بناء دراما صادقة وشخصيات تشبه الناس الحقيقيين.
فالأزمة الكبرى التي تواجه كثيرا من الإنتاجات المعاصرة ليست أزمة صورة، بل أزمة حكاية، ولهذا يبقى السيناريو هو العنصر الأكثر أهمية في معادلة الفن السينمائي.
الندوات والفعاليات المصاحبة للمهرجان عكست هذا الوعي بأهمية الكتابة السينمائية ودورها في تشكيل مستقبل الصناعة، فقد شهدت النقاشات حضورا لافتا لقضايا تتعلق بعلاقة السينما بالهوية الثقافية، وتأثير المنصات الرقمية على السرد البصري، ومستقبل الفيلم القصير، إلى جانب الحديث عن التحديات التي تواجه صناع الأفلام الشباب.
كما أن وجود لجان تحكيم تضم مخرجين وأكاديميين من مصر والصين والهند منح المهرجان بعدا دوليا مهما، وخلق مساحة حقيقية لتبادل الخبرات بين المدارس السينمائية المختلفة، وتبادل الرؤى بين الشعوب.
ربما يكون الإنجاز الأهم للمهرجان أنه أعاد التذكير بحقيقة أساسية كثيرا ما تُنسى وسط الضجيج والإبهار البصري: السينما العظيمة تبدأ دائما من الحكاية، تبدأ من سؤال يقلق كاتب السيناريو، ومن فكرة تبحث عن معنى، ومن إنسان يحاول أن يفهم العالم من خلال صورته، لذلك سيظل السيناريو هو قلب الفيلم الحقيقي، والروح التي تمنحه القدرة على الحياة بعد انطفاء الشاشة.

