رئيس التحرير
عصام كامل

حين يأتيك الله وسط شكك

18 حجم الخط

"وَلَمَّا كَانَتْ عَشِيَّةُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَهُوَ أَوَّلُ الأُسْبُوعِ، وَكَانَتِ الأَبْوَابُ مُغَلَّقَةً حَيْثُ كَانَ التَّلاَمِيذُ مُجْتَمِعِينَ لِسَبَبِ الْخَوْفِ مِنَ الْيَهُودِ، جَاءَ يَسُوعُ وَوَقَفَ فِي الْوَسْطِ، وَقَالَ لَهُمْ: «سَلاَمٌ لَكُمْ!»... قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا»." (يو 20: 19-31).

في هذا المشهد، لا يبدأ الرب بلوم التلاميذ على خوفهم، ولا بتوبيخ توما على شكه، بل يبدأ بحضوره. الأبواب مغلقة، والقلوب أيضًا، ومع ذلك يقف يسوع في الوسط. كأن الرسالة الأولى لك اليوم ليست أن تتماسك أو تثبت إيمانك، بل أن تدرك أن حضوره لا تعيقه أبوابك المغلقة من الداخل. هو يأتي إليك كما أنت، لا كما يجب أن تكون.

 

توما لم يرفض الإيمان بدافع التمرد، بل لأنه لم يحتمل فكرة الرجاء المكسور مرة أخرى. لذلك لم يطلب الرب منه إيمانًا مجردًا، بل اقترب منه في نفس النقطة التي تعثّر فيها. أراه الجراح نفسها التي كانت سبب عثرته، وحوّلها إلى باب للإيمان. هذا يكشف لك قلب الله: هو لا يتجاهل شكك، ولا يختصر الطريق عليك بكلمات عامة، بل يقترب جدًا، حتى من أكثر الأسئلة التي تخجل أن تنطق بها.

 

قد تظن أحيانًا أن شكك يبعدك عن الله، أو أنك تحتاج أن “تُصلح” نفسك أولًا قبل أن تقترب. لكن الحقيقة العكسية التي يعلنها هذا النص هي أن الله يقترب إليك داخل شكك نفسه. ليس ليتركك فيه، بل ليقودك من داخله إلى معرفة أعمق به. الإيمان هنا لا يُبنى على إنكار الأسئلة، بل على لقاء حي مع شخص حي.

 

حين قال توما: "ربي وإلهي"، لم يكن يعلن مجرد اقتناع عقلي، بل استسلام قلب لمسَّه حضور حقيقي. هذا هو التحول الذي ينتظرك أنت أيضًا: من محاولة الفهم إلى اختبار الحضور. ومن السعي وراء يقين كامل إلى الثقة في شخص أمين. وهنا يفتح لك الرب أفقًا جديدًا: "طوبى للذين آمنوا ولم يروا"، أي أن علاقتك به اليوم ليست أقل، بل هي مساحة أعمق للثقة الحرة.

خذ اليوم خطوة هادئة وصادقة: لا تُخفِ شكك، بل احمله أمام الله كما هو، وقل له ببساطة: "اقترب إليّ بالطريقة التي أفهمها." ثم اترك له المساحة ليفاجئك بحضوره، ربما في كلمة، أو سلام داخلي، أو نور صغير يتسلل إلى فكرك. لأن الله لا يزال يأتي، ويقف في الوسط، ويقول لك: سلام لك.

الجريدة الرسمية