رئيس التحرير
عصام كامل

دور الحضانة في مصر، تاريخ طويل ينتهي بقرارات داعمة للمرأة والطفل

رياض الأطفال، فيتو
رياض الأطفال، فيتو
18 حجم الخط

في زمنٍ كانت فيه الطفولة تُترك على هامش الحياة، بلا مؤسساتٍ ترعاها ولا أنظمةٍ تحميها، بدأت فكرة دار الحضانة  كحاجةٍ إنسانية صادقة، لا كقرارٍ إداري أو نصٍ قانوني. 

بعدما كانت الأمهات يغادرن إلى العمل، والمصانع تبتلع ساعات النهار، بينما يظل الأطفال في فراغٍ لا يليق ببدايات الحياة. 

من هنا، وُلدت الفكرة الأولى لدور الحضانة، كملاذٍ صغير، لكنه عميق الأثر، يحاول أن يمنح الطفولة بعضًا من الأمان.

 

تاريخ نشأة رياض الأطفال 

رياض الأطفال، واحدة من المراكز التربوية الأساسية داخل المنظومة التعليمية المصرية، والتي تعود جذورها إلى القرن التاسع عشر في أوروبا، حين كان التعليم مقتصرًا على الأطفال الذين تعلموا القراءة والكتابة داخل المنازل. 

ومع التحولات الاجتماعية والثورة الصناعية، ظهرت محاولات لإتاحة التعليم لأبناء النساء العاملات، لتبدأ ملامح نظام جديد في التشكّل.

 

في أوروبا، بدأت الفكرة تتخذ شكلًا أكثر وضوحًا؛ وتحديدًا في  عام 1816، افتتح روبرت أوين،  مصلحًا اجتماعيًا وأحد رواد الحركة الاشتراكية في إنجليرا، دار للحضانة في اسكتلندا، ثم تبعتها تجربة أخرى في لندن عام 1819، قبل أن تُنشئ الكونتيسة تيريزا عام 1828 ما أسمته «روضة الملائكة» في مدينة بودا المجرية،  لم تكن هذه التجارب مجرد مبادرات متفرقة، بل كانت خطوات متتالية في طريق طويل.

 

ومع مرور الوقت، بدأ المفهوم ينتشر بين الطبقات النبيلة والوسطى، حتى جاء التحول الأبرز عام 1839، عندما أسس فريدريش فروبل معهدًا قائمًا على الأنشطة التربوية في ألمانيا، قبل أن يتحول لاحقًا إلى أول نموذج منظم لرياض الأطفال.

 ومن خلال المتدربات في هذا المعهد، انتشرت الفكرة في مختلف أنحاء أوروبا.

 

دخول دور الحضانة إلى مصر 

ومن أوروبا، انتقلت الفكرة إلى الشرق الأوسط، حيث كانت مصر من أوائل الدول العربية التي تبنت نظام رياض الأطفال كمرحلة تمهيدية للتعليم الأساسي. لم يكن الانتقال مجرد تقليد، بل استجابة لحاجة مجتمعية متزايدة، في ظل تغير أنماط الحياة وتزايد أعداد النساء العاملات.

 

التنظيم التشريع لإنشاء وتأسيس الحضانات 

ومع ترسخ الفكرة، بدأ دور الدولة في تنظيمها، وآمن المشرع المصري بأهمية دور الحضانة، فسن القوانين المنظمة لتأسيسها وتشغيلها، وفي مقدمتها قانون الطفل المصري، بما يتوافق مع الاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الطفل.

 

أساليب حديثة في دور الحضانة في مصر 

تطورت دور الحضانة لتواكب العصر التكنولوجي، فلم تعد فقط ضمانه لأمان الأطفال بعيدًا عن أعيون الآباء، بل أصبحت هذه   الدور مجهزة بنظام مراقبة حديث يتيح للآباء متابعة أطفالهم عبر الكاميرات عن بُعد، بينما تستفيد المعلمات من أجهزة تفاعلية وتطبيقات تعليمية حديثة لتعزيز التعلم واللعب في آن واحد. هذه التطورات لم تغير دور الحضانة فحسب، بل جعلتها فضاءً أكثر أمانًا وشفافية، حيث يمكن للآباء الاطمئنان على أطفالهم، وللمدرسين تحسين جودة التعليم والأنشطة.
 

تحرك حكومي لتوفير حضانات لأبناء العاملات 

مؤخرًا، وفي تحرك يعد تحولًا نوعيًا في سياسات دعم المرأة العاملة، أطلقت وزارة العمل إطارًا تنظيميًا جديدًا يُلزم منشآت العمل بتوفير خدمات رعاية الطفولة، في خطوة تهدف لتخفيف الأعباء اليومية عن الأمهات العاملات، وضمان بيئة آمنة ومستقرة لأطفالهن داخل أو بالقرب من مواقع العمل.  

ويأتي القرار في سياق متزايد من الاهتمام الرسمي بدمج البعد الاجتماعي في سوق العمل، وإعمالا لمواد قانون العمل الجديد، باعتبار رعاية الطفولة أحد المرتكزات الأساسية لاستدامة مشاركة المرأة اقتصاديًا.

 

تفاصيل القرار الوزارى

القرار الوزاري ينظم ضوابط إنشاء وتشغيل دور حضانات رعاية أطفال العاملات داخل منشآت العمل، بما يضمن توفير رعاية آمنة ومتكاملة للأطفال، ويسهم في دعم استقرار المرأة العاملة وزيادة مشاركتها في سوق العمل. 

جاء القرار الذي أصدره وزير العمل حسن رداد، جاء بالتنسيق مع وزارة التضامن الاجتماعي والمجلس القومي للطفولة والأمومة، وبعد عرضه على المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي، في إطار توجه حكومي لتطوير منظومة الحماية الاجتماعية المرتبطة ببيئة العمل.

 

إلزام المنشآت بإنشاء حضانات أو التعاقد مع دور قائمة

وينص القرار على إلزام المنشآت التي يعمل بها 100 عاملة فأكثر بإنشاء دار حضانة داخل المنشأة أو التعاقد مع حضانة قائمة لرعاية الأطفال حتى سن الرابعة، مع مراعاة تجهيزها لاستقبال الأطفال ذوي الإعاقة. كما ألزم المنشآت التي يقل عدد العاملات بها عن هذا الحد، وتقع في نطاق جغرافي محدد، بالاشتراك فيما بينها لإنشاء حضانات مشتركة أو التعاقد مع دور مرخصة.

 

الاشتراطات الفنية والصحية للحضانات

تضمن القرار اشتراطات فنية وصحية لمقار الحضانة، تشمل القرب من موقع العمل، وتوفير بيئة مناسبة وآمنة للأطفال، والالتزام بالحصول على التراخيص اللازمة، مع إخضاع هذه الدور لنظم الرقابة والتفتيش المعمول بها.

 

آلية الاشتراكات وتوزيع التكاليف

وفيما يتعلق بنظام الاشتراكات، حدد القرار نسب مساهمة العاملات في تكاليف الخدمة، مع إتاحة بدائل لأصحاب الأعمال لتحمل نفقات الرعاية لدى حضانات مرخصة حال تعذر إنشاء حضانات داخلية.

 

الإطار القانوني والتزامات صاحب العمل

تشريعيًا، ينص قانون العمل  على التزامات واضحة تقع على عاتق صاحب العمل، حيث يُلزَم كل منشأة يبلغ عدد العاملات بها حدًا معينًا بإنشاء حضانة لأبناء العاملات أو التعاقد مع دور حضانة معتمدة وقريبة، بما يضمن استمرارية الرعاية في بيئة آمنة ومؤهلة للأطفال، وفقًا للاشتراطات الصحية والتربوية التي تحددها الجهات المختصة.

ويشترط القانون أن تتوافق الحضانة مع مجموعة من المعايير الأساسية، من أبرزها: توفير مساحة كافية لكل طفل، والالتزام بمعايير الصحة والسلامة، وتعيين كوادر مؤهلة ومتخصصة في رعاية الطفولة المبكرة، وتنظيم ساعات العمل بما يتناسب مع دوام العاملات، إلى جانب تقديم أنشطة تعليمية وترفيهية ملائمة لكل فئة عمرية. كما تخضع هذه الدور لإشراف الجهات الإدارية المختصة لضمان الالتزام الكامل بهذه المعايير.

 

الأثر التنموي والاجتماعي للقرار

ويعكس هذا التنظيم بعدًا تنمويًا مهمًا، إذ يسهم في رفع معدلات مشاركة المرأة في سوق العمل، ويحد من ظواهر الغياب أو ترك الوظيفة نتيجة صعوبات رعاية الأطفال، كما يعزز من إنتاجية العاملات وكفاءتهن، بما ينعكس إيجابًا على أداء المنشآت.

 

البدائل التطبيقية والمرونة في التنفيذ

ومن الناحية التطبيقية، أتاح القانون بدائل مرنة لتنفيذ الالتزام، من بينها اشتراك عدة منشآت في إنشاء حضانة مشتركة، أو التعاقد مع دور حضانة قائمة، شريطة استيفائها للاشتراطات القانونية والفنية، بما يسهل على أصحاب الأعمال الالتزام دون الإخلال بحقوق العاملات.

 

الرقابة والمتابعة القانونية

وفيما يتعلق بالرقابة، منح القانون الجهات المختصة سلطة متابعة التنفيذ من خلال التفتيش الدوري، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، والتي قد تشمل الإنذارات أو توقيع الجزاءات وفقًا لطبيعة المخالفة.

 

لم تعد دور الحضانة مجرد مؤسسات للرعاية، بل تحولت إلى قصة متكاملة من لحم ودم؛ بدأت بحاجة إنسانية بسيطة، ونمت عبر الزمن لتصبح جزءًا من بنية المجتمع، تجمع بين التربية التقليدية، والتنظيم القانوني، ودعم المرأة العاملة، والتكنولوجيا الحديثة التي تجعل الطفولة في أمان، وتدعم تطور المجتمع بأكمله.

الجريدة الرسمية