رئيس التحرير
عصام كامل

السياحة ليست حقل تجارب

18 حجم الخط

في وقتٍ تتسابق فيه الدول لجذب كل سائح وكل دولار، وتتنافس فيه المقاصد السياحية على تقديم تجارب أكثر انفتاحًا ومرونة، تفاجأ السوق المصري بقرارات غلق مبكر للمحال والمراكز التجارية عند التاسعة مساءً، قبل أن يتم استثناء المطاعم السياحية لاحقًا.

قرارٌ لم يمر بهدوء، ليس فقط بسبب مضمونه، بل بسبب الطريقة التي صدر بها ثم عُدّل، كاشفًا عن أزمة أعمق تتعلق بمنهجية إدارة أحد أهم قطاعات الاقتصاد الوطني.. 

قرارات مدروسة

القضية هنا ليست في توجيه الشكر لوزير السياحة على الاستثناء، ولا في توجيه اللوم بسبب القرار، بل في التساؤل الجوهري: كيف يُتخذ قرار بهذا التأثير دون دراسة كافية أو حوار مسبق مع أصحاب المصلحة؟ ولماذا يتم تصحيحه بعد صدوره بدلًا من بنائه بشكل سليم من البداية؟

المستثمر لا يبحث فقط عن الفرص، بل عن الاستقرار. وحين يرى قرارات تصدر ثم تُعدل خلال أيام، فإن الرسالة التي تصله واضحة: البيئة التنظيمية غير مستقرة.. هذه ليست مجرد ملاحظة إدارية، بل عامل مباشر في عزوف الاستثمارات، خاصة في قطاع يعتمد على التخطيط طويل الأجل مثل السياحة.

السائح أيضًا ليس بعيدًا عن هذه الصورة. فعندما يسمع عن قيود على أوقات العمل أو غلق مبكر للأنشطة، تتشكل لديه قناعة بأن الوجهة محدودة الخيارات، وهو ما يدفعه تلقائيًا للبحث عن بدائل أكثر مرونة في المنطقة.

اقتصاد السياحة

السياحة ليست نشاطًا صباحيًا فقط، بل هي اقتصاد ليلي بامتياز. المطاعم، المقاهي، المراكز التجارية، البازارات، الحفلات.. وماذا عن الأفراح التي أصبحت تمثل قطاعا هاما ووسيلة جذب، خاصة للأسر العربية، كلها عناصر تشكل تجربة السائح، وغالبًا ما تبلغ ذروتها بعد التاسعة مساءً.

تقليص هذه المساحة الزمنية يعني ببساطة تقليص الإنفاق، وهو ما يتناقض مع الهدف المعلن بزيادة العائد السياحي. 

السائح العربي.. الحلقة الأهم التي تم تجاهلها

يمثل السائح العربي واحدة من أهم الركائز السياحية لمصر، ليس فقط من حيث العدد، بل من حيث مدة الإقامة التي قد تتجاوز الأسبوعين، وحجم الإنفاق المرتفع.
 

كما أن شريحة كبيرة من العرب تمتلك وحدات سكنية في القاهرة، في استثمار عقاري يدر عملة صعبة ويساهم في دعم الاقتصاد. وماذا عن السائحين القاطنين الشقق الفندقية والتي ساعدت الدولة على تقنين أوضعها في الفترة السابقة!

هذا السائح تحديدًا لديه نمط حياة مختلف، يعتمد على الأنشطة الليلية، من تسوق وسهر ومطاعم.
وحين تُغلق هذه الخيارات مبكرًا، فإن الرسالة غير المباشرة تكون: هذه الوجهة لم تعد تناسبك.
والنتيجة الطبيعية: انتقاله إلى وجهات أخرى توفر له ما يبحث عنه دون قيود.


خان الخليلي.. حين يُختزل التاريخ في ساعات عمل

ماذا عن بازارات خان الخليلي؟ هل تدخل ضمن الاستثناءات؟ وإن لم تكن كذلك، فكيف نفسر لسائح يأتي خصيصًا ليعيش أجواء هذا المكان التاريخي أن التجربة تنتهي مبكرًا؟

خان الخليلي ليس مجرد سوق، بل روح القاهرة القديمة، وتجربة لا تُقاس بالوقت، بل بالانغماس فيها.
أين شعار القاهرة التي لا تنام، والأمان الذي أكد عليه ترامب في حديثه عن مصر وشكره للرئيس السيسي علي توفير الأمن والأمان.

واحدة من أبرز مشكلات هذا القرار هي عدم إشراك الأطراف المعنية قبل صدوره:
منظمو الرحلات، أصحاب المطاعم، الغرف السياحية، المستثمرون.. هؤلاء ليسوا مجرد منفذين، بل شركاء في الصناعة، وكان يمكن لرأيهم أن يُنتج قرارًا أكثر توازنًا يحقق هدف ترشيد الطاقة دون الإضرار بالسياحة.


قد يبدو القرار إداريًا في ظاهره، لكنه اقتصادي في نتائجه:
• انخفاض متوسط إنفاق السائح
• تراجع جاذبية المقصد المصري مقارنة بمنافسيه
• تباطؤ الاستثمارات الجديدة
• زيادة حالة عدم اليقين في السوق


الخاسر الأكبر.. الاقتصاد الوطني 

الخاسر الأكبر هو الاقتصاد الوطني الذي يسعى لتعظيم موارده من النقد الأجنبي.. لا يمكن للدولة أن تدعو للاستثمار في السياحة، ثم تصدر قرارات تقلل من جدواها. ولا يمكن أن نعلن أن السياحة أولوية، ثم نتعامل معها كقطاع ثانوي يخضع لنفس القواعد العامة دون مراعاة خصوصيته.
الرسالة يجب أن تكون واضحة وثابتة: السياحة قطاع استراتيجي، له طبيعة خاصة، ويحتاج إلى سياسات مرنة تدعمه لا تقيده.


الاستثناء ليس إنجازًا

استثناء المطاعم السياحية من قرار الغلق ليس حلًا، بل اعتراف ضمني بأن القرار في صورته الأصلية لم يكن مناسبًا.. المشكلة ليست في النوايا، بل في غياب الرؤية المتكاملة. ما يحتاجه قطاع السياحة في مصر اليوم هو: رؤية اقتصادية واضحة، تنسيق مؤسسي فعال، حوار حقيقي مع القطاع الخاص، واستقرار تشريعي يعيد الثقة للمستثمر والسائح معًا.

أما الاستمرار في إصدار قرارات ثم تعديلها، فلن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: سوق مرتبك.. ومستثمر متردد.. وسائح يبحث عن وجهة أخرى.. ويبقى السؤال الأهم: هل نريد سياحة تُدار بعقلية تنافسية عالمية.. أم قطاعًا يظل أسير قرارات متعجلة تدفعه خطوة للأمام وخطوتين للخلف.

الجريدة الرسمية