رئيس التحرير
عصام كامل

التضحية بالسياحة من أجل التحفظ.. عن أبوسمبل أتحدث

18 حجم الخط

لم يكن الجدل حول ظاهرة تعامد الشمس على وجه تمثال رمسيس الثاني في معبد أبو سمبل مجرد نقاش حول احتفال فلكي أو مناسبة تراثية، بل تحول إلى سؤال أعمق حول فلسفة إدارة صناعة السياحة في مصر: هل ما زالت الدولة تنظر إلى السياحة كقاطرة اقتصادية استراتيجية أم كقطاع يمكن التضحية ببعض عناصره التسويقية لأسباب تتعلق بالتحفظ الاجتماعي؟

 

تعتمد السياحة الحديثة على ما هو أبعد من زيارة المواقع الأثرية. فهي صناعة تعتمد على الصورة الذهنية والتجربة السياحية المتكاملة. وعندما يمتلك بلد ما حدثًا فريدًا عالميًا مثل ظاهرة تعامد الشمس، فإن أي قرار بتقليص الاحتفالات المصاحبة يرسل رسالة غير مباشرة للأسواق الدولية بأن التسويق السياحي يمكن أن يتراجع أمام اعتبارات إدارية تقليدية.


وهنا تكمن الخطورة؛ فالسائح العالمي لا يبحث فقط عن التاريخ، بل عن التجربة الثقافية الكاملة، التي تشمل المهرجانات، والعروض، والتفاعل الحضاري مع الحدث الأثري. وعندما تتراجع هذه العناصر، فإن المقصد السياحي يفقد جزءًا من تنافسيته أمام دول تسوق تراثها التاريخي بجرأة واحترافية.


لا يخفى على أحد أن السياحة أحد أعمدة الدخل القومي في مصر، وأن المجتمعات المحلية في أسوان وجنوب الصعيد تعتمد بدرجة كبيرة على الحركة السياحية. أي تقليص للفعاليات المصاحبة للأحداث العالمية يعني خسارة فرص اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للفنادق، والمطاعم، وقطاع النقل السياحي.


المشكلة ليست في احترام الخصوصية الدينية لشهر رمضان، فهذا أمر لا جدال فيه اجتماعيًا، لكن الإشكالية الحقيقية تكمن في غياب نموذج إداري قادر على التوفيق بين الهوية الثقافية ومتطلبات الاقتصاد السياحي. فالدول السياحية الكبرى لا تلغي فعالياتها، بل تعيد تصميمها بما يتناسب مع ظروفها الاجتماعية دون أن تفقد القيمة التسويقية.


أحد أخطر ما يكشفه هذا القرار هو استمرار نمط من التفكير الإداري القائم على الحذر المفرط في التعامل مع الفعاليات الجماهيرية. فبدلًا من تحويل الحدث إلى منصة للترويج الدولي، يتم تقليصه ليصبح مجرد ظاهرة فلكية يتم مشاهدتها بصمت، وكأن الاقتصاد السياحي ليس جزءًا من منظومة الأمن الاقتصادي الوطني.


هذا النمط من الإدارة قد يكون مفهومًا في سياقات معينة، لكنه يصبح مشكلة عندما يتعلق الأمر بحدث عالمي يحظى بتغطية إعلامية دولية ويجذب أنظار ملايين المهتمين بالتراث الإنساني.


الأزمة لا تقتصر على صناع القرار فقط، بل تمتد إلى المجتمع نفسه. فضعف الوعي بأهمية التسويق السياحي يجعل أي نقاش حول الفعاليات الأثرية يتحول سريعًا إلى جدل اجتماعي بدلًا من أن يكون نقاشًا اقتصاديًا استراتيجيًا.

 

السياحة ليست نشاطًا ترفيهيًا، بل هي صناعة هوية اقتصادية للدولة. وكل مواطن يجب أن يدرك أن أي حدث سياحي عالمي هو فرصة لتعزيز صورة الدولة، وليس مجرد مناسبة احتفالية يمكن الاستغناء عنها.


كان يمكن ببساطة تصميم احتفالية رمزية تحافظ على الطابع الديني والاجتماعي لشهر رمضان، وفي الوقت نفسه تبرز الحدث عالميًا عبر البث المباشر والتسويق الرقمي. فالسياحة اليوم لا تعتمد على الحشود بقدر ما تعتمد على الانتشار الإعلامي الرقمي.


إن التحدي الحقيقي أمام صناعة السياحة في مصر ليس في تنظيم الفعاليات فقط، بل في تغيير فلسفة إدارة هذا القطاع الحيوي. فالسياحة لا يمكن أن تنمو بمنطق التحفظ، بل تحتاج إلى جرأة تسويقية محسوبة، وإلى رؤية تعتبر كل حدث أثري عالمي فرصة اقتصادية قبل أن يكون مناسبة ثقافية.

فهل نحن أمام بداية تحول في التفكير السياحي؟ أم أن القرار مجرد استجابة ظرفية ستتكرر كلما تعارضت المناسبات الاقتصادية مع الاعتبارات الاجتماعية؟ السؤال ما زال مفتوحًا، لكن الإجابة ستظهر في مؤشرات السياحة القادمة، لا في البيانات الرسمية فقط، بل في أرقام الزوار والعوائد الاقتصادية الحقيقية.

الجريدة الرسمية
عاجل