ليس كل ما يطلبه القلب هو إرادة الله
ليس كل مرة يتعلّق فيها القلب بشيء، يكون هذا دليلًا على أنه من الله. لأن القلب قد يطلب بدافع الاحتياج، أو العاطفة، أو التعلّق، أو الخوف من الفقد. والإنسان أحيانًا يخلط بين ما يتمناه، وما يريده الله له. لذلك لا يكفي أن القلب مال إلى أمر، بل ينبغي أن يُوزن هذا الميل في نور الله، لا في حرارة المشاعر وحدها. وهنا يوصينا الكتاب: «تَوَكَّلْ عَلَى الرَّبِّ بِكُلِّ قَلْبِكَ، وَعَلَى فَهْمِكَ لَا تَعْتَمِدْ» (أم 3: 5).
فليس كل انجذاب علامة، ولا كل راحة وقتية برهانًا، ولا كل رغبة صادقة في نظر صاحبها تكون بالضرورة صالحة في نتائجها. لأن الإنسان قد يرى الشيء مناسبًا له، بينما يراه الله بابًا ليس فيه خيره الحقيقي.
لذلك يحتاج القلب إلى أن يهدأ أمام الله، لا أن يندفع. ويحتاج إلى تمييز، لا إلى استعجال. فالنفوس المتسرعة كثيرًا ما تُخطئ، لا لأن رغبتها شريرة بالضرورة، بل لأن بصيرتها لم تنضج بعد.
ومن هنا تأتي أهمية السلام الداخلي. فالقلب قد يطلب، ولكن السلام هو الذي يجاوب. قد يرغب الإنسان في أمر جدًا، ولكن حين يقف أمام الله لا يجد في داخله طمأنينة حقيقية نحوه. وقد يتعب لأنه يريد أن يسمع من الله موافقة على ما اختاره هو مسبقًا.
بينما الله أحيانًا لا يجيب بكثرة الكلام، بل بسكون السلام أو غيابه. لذلك يقول الرسول: «وَلْيَمْلِكْ فِي قُلُوبِكُمْ سَلاَمُ اللهِ» (كو 3: 15)، أي ليكن هو الحاكم والمرشد في الداخل.
والسلام الذي من الله ليس مجرد ارتياح نفسي عابر، بل هو طمأنينة عميقة تحفظ القلب والفكر حين يسلّم الإنسان أمره للرب. لهذا يقول الكتاب: «لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ. وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» (في 4: 6-7). فالسلام هنا ليس نتيجة تحقق الطلب، بل ثمرة وضع الطلب بين يدي الله.
وكثيرًا ما ينجو الإنسان من اختيارات خاطئة، لا لأن الباب أُغلق فقط، بل لأن الله لم يعطه سلامًا نحوها. وربما في وقتها يحزن، أو لا يفهم، أو يظن أن ما يريده هو الخير الأكيد. ثم بعد فترة يكتشف أن الله كان يحفظه، لا يحرمه. وكان يرشده، لا يعطله.
فالسلام الإلهي ليس ضعفًا في القرار، بل قد يكون من أقوى إشارات الرحمة، لأنه يوقف الإنسان قبل أن يسير في طريق لا يشبه مشيئة الله له.
لذلك، لا تسأل نفسك فقط: ماذا يريد قلبي؟ بل اسأل أيضًا: أين السلام الذي من الله؟ لأن القلب قد يطلب أشياء كثيرة، لكن ليس كل ما يطلبه يصلح له. أما حين يقودك سلام الله، فإنك حتى لو لم تنل ما تعلقت به، تنال ما هو أعمق: الاطمئنان أن الله يقودك في الطريق الصحيح.
وحينئذ يفهم الإنسان أن بعض الأبواب التي لم تُفتح، كانت في الحقيقة رحمة، وأن بعض الرغبات التي لم تكتمل، كانت نجاة وبركة مستترة.
