رئيس التحرير
عصام كامل

حينما تتكلم المحبة بلغة واحدة

18 حجم الخط

ليست كل صداقة تقوم على تشابه اللغة، أو وحدة الوطن، أو تقارب العادات والنشأة. فهناك رباط أعمق من كل هذا، يجمع القلوب قبل أن يجمع الكلمات. وهذا ما اختبرته في صداقتي مع الأب باسيلي، مدبر دير الثالوث بتشيبوكساري في روسيا. 

فعلى الرغم من اختلاف البلاد التي نشأنا فيها، واختلاف اللغة التي نتكلم بها، إلا أن الله منحنا لغة أخرى كانت أوضح من كل كلام، وهي لغة المحبة الصادقة في المسيح. ولعل هذا ما يعبّر عنه قول الكتاب: «لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا» (أف 2: 14). 


وفي هذه العلاقة فهمت كيف أن المسيح ما يزال يجمع أولاده حوله، لا بحسب الجسد، بل بحسب الروح. فهو الذي يزيل المسافات، ويكسر الحواجز، ويخلق بين النفوس وحدة لا تصنعها الأرض وحدها. 

لذلك قد يلتقي شخصان من عالمين مختلفين، ولكن يجمعهما أصل واحد هو حب المسيح. وحينئذ لا تعود الغربة غربة، ولا يعود اختلاف اللسان عائقًا، لأن المحبة حين تكون من الله تصير لغة مفهومة للقلب، حتى إن عجزت عنها الكلمات. وهذه هي العطية الجميلة التي وهبني الله أن أختبرها في هذه الصداقة المباركة. 


وقد وجدت في الأب باسيلي صورة جميلة للمسيح في محبته واتساع قلبه. لم أجده مجرد إنسان طيب، بل وجدت فيه روح الراعي، ودفء الأب، وأمانة الصديق. فهناك أشخاص تقابلهم ثم يمضون، وهناك أشخاص يتركون في القلب أثرًا لا يزول، لأن حضورهم يحمل تعزية وسلامًا وصدقًا. 

وهكذا كان هو بالنسبة لي، إذ رأيت فيه إنسانًا يفتح قلبه ببساطة، ويمنح من حوله إحساسًا بالأمان والقبول، وكأنك أمام نفس تعلمت المحبة لا ككلام، بل كحياة تُعاش كل يوم.


ووجدت فيه الصديق الأمين في كل المواقف، الذي لا تتغير محبته بتغير الظروف، ولا تضعف مواقفه بتبدل الأيام. والصداقة الحقيقية لا تقاس بكثرة اللقاءات، بل بصدق القلب وثباته وقت الحاجة. لذلك قال الكتاب: «اَلصَّدِيقُ يُحِبُّ فِي كُلِّ وَقْتٍ، أَمَّا الأَخُ فَلِلشِّدَّةِ يُولَدُ» (أم 17: 17). 

وقد رأيت في هذه الصداقة معنى الأمانة الهادئة، التي لا تصنع ضجيجًا، لكنها تظل حاضرة بقوة في كل موقف، وتمنح القلب شعورًا بأن الله يرسل للإنسان في الطريق أشخاصًا يكونون له سندًا وتعزية وبركة. 


ووجدت فيه أيضًا صورة الراعي الذي يفتح بابه لكل من يقصده، لا باعتبار الضيافة مجرد واجب، بل باعتبارها محبة عملية. فالراعي الحقيقي لا يكتفي بالكلام، بل يفتح قلبه ووقته وبيته، لكي يشعر الآخر أنه ليس غريبًا. 

وهنا نتذكر قول الرب: «أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ، وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ» (يو 10: 11). وكل من يحمل شيئًا من روح الراعي الصالح، يترك في حياة من حوله أثرًا لا يُنسى، لأنه لا يقدم مجرد خدمة، بل يقدم احتواءً وراحة وطمأنينة. 


أما من جهة أبوته، فقد كان حاضرًا في كل لحظاتي هناك في روسيا، مشاركًا، مرافقًا، ومشبعًا للمكان بروح الأسرة لا بروح الرسمية. وهذه عطية ليست صغيرة، لأن الأبوة الحقيقية لا تُقاس باللقب فقط، بل بما تمنحه من احتواء واهتمام وصدق. 

ولذلك أشكر الله على هذه العلاقة التي كشفت لي أن المحبة في المسيح أقوى من اختلاف اللغات والبلاد، وأن أصلنا الواحد فيه يجعلنا حقًا إخوة وبنينًا حول قلب واحد. وكما يقول الكتاب: «اَلْمَحَبَّةُ لَا تَسْقُطُ أَبَدًا» (1 كو 13: 8). 


وبمناسبة عيد ميلاده، أرفع له كل التهنئة القلبية، مصليًا أن يمنحه الرب سنوات مباركة، مملوءة نعمة وسلامًا وفرحًا وخدمة مثمرة لمجد اسمه القدوس. وأعبر له عن اشتياقي الصادق أن نلتقي مجددًا، ونجلس معًا مرة أخرى، كما كانت تجمعنا المحبة والبساطة وحضور الله. 

فما زالت هذه الأيام عزيزة في قلبي، وما زال الشوق إليها حيًّا في داخلي، راجيًا من الرب أن يمنحنا فرح اللقاء من جديد في الوقت الذي يراه صالحًا، لتبقى المحبة التي جمعَتنا شاهدًا جميلًا على أن المسيح ما زال يجمع البنين حوله في كل مكان.

الجريدة الرسمية