"إسرائيل" تسعى لتكرار نموذج غزة في لبنان.. مخططات لفرض هيمنتها على جنوب الليطاني وإزالة الوجود العسكري لحزب الله.. والحرب على إيران تحدد مستقبل أرض الأرز
مع تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يواجه لبنان تصعيدا عسكريا مباشرا يهدد استقراره وسيادته؛ حيث تسعى قوات الاحتلال الإسرائيلية إلى فرض ما يمكن وصفه بـ"نموذج غزة" في لبنان، ما يضع البلاد أمام خيارين محتملين، هما الدخول في مواجهة مباشرة مع حزب الله مع استمرار الاحتلال، أو تراجع الحزب جزئيا تحت الضغط الداخلي والدولي، في سياق النزاع الإقليمي الأوسع.
وفي السياق، نشر موقع "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكي المتخصص في الشؤون الخارجية والأمن القومي مقالا أعده المحلل في السياسة الخارجية ألكسندر لانجلويس تحت عنوان "في لبنان.. إسرائيل تسعى للهيمنة وليس الردع".
يقول لانجلويس: مع توسع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في أنحاء الشرق الأوسط، يواجه لبنان سيناريو أشبه بالكابوس، فقد غزت "إسرائيل" البلاد مرة أخرى، بزعم نزع سلاح حزب الله اللبناني، والذي تراه خصمها غير الرسمي في الشمال.
ويعد هذا الجزء من الحرب الأوسع حاسما، إذ قد يصبح محور التركيز الرئيسي للأطراف المتحاربة في الأسابيع المقبلة، خاصة إذا انتهت المواجهة المباشرة مع إيران إلى نتائج محدودة.
غارات إسرائيلية شبه يومية على لبنان
وبحسب المقال، ليس سرا أن المسؤولين الإسرائيليين لطالما سعوا إلى ممارسة مزيد من الضغط على لبنان لحل "مشكلة حزب الله". وبعد عام من تبادل إطلاق النار، اختارت "إسرائيل" غزو لبنان في 2024 لمواجهة الحزب مباشرة، مما أضعف قدراته على تنفيذ عمليات عسكرية كبيرة، وأدى إلى مقتل معظم قياداته العليا. وكان من المفترض أن تشكل الهدنة الي جرى التوصل إليها في نوفمبر 2024 وقفا حقيقيا لإطلاق النار؛ لكنها أفرزت بدلا من ذلك غارات شبه يومية.

يقول لانجلويس: تفاوتت التفسيرات حول تفاصيل الهدنة المزعومة، مما أعاق العملية، وحتى عندما أعلنت الحكومة اللبنانية إزالة الوجود العسكري لحزب الله جنوب الليطاني -وهي نحو 10٪ من الأراضي اللبنانية السيادية على الحدود المتنازع عليها مع "إسرائيل"- أعربت "إسرائيل" عن رفضها، مهددة بغزو جديد في بداية 2026 إذا لم يتم نزع سلاح الحزب بالكامل، رغم أنها انتهكت شروط الهدنة منذ اليوم الأول.
التحضيرات للحرب الأوسع مع إيران
يضيف الكاتب: تشير التقارير إلى أن تلك العملية لم تحدث في النهاية، بسبب التحضيرات للحرب الأوسع مع إيران. وبالتالي، يمكن فهم العملية الإسرائيلية في لبنان فقط في سياق النزاع الإقليمي الأوسع.
وقدر المسؤولون الإسرائيليون أن أي مواجهة واسعة مع حزب الله قد تستدعي رد فعل إيراني، ومع ذلك، كان من المرجح أن "إسرائيل" كانت تخطط لمهاجمة الحزب بغض النظر عن ذلك.
ويتابع: في هذا السياق، رحبت "إسرائيل" بالصراع مع كل من حزب الله وإيران. ومنذ 7 أكتوبر 2023، تبنت "إسرائيل" استراتيجية أمنية جديدة تعتمد على نقل تهديداتها للخارج واستخدام القوة الهائلة ضد أعدائها، بما في ذلك احتلال الأراضي المجاورة لخلق "مناطق عازلة" على طول الحدود المتنازع عليها.
تحول الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية
يقول لانجلويس: التحول الرئيسي في الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية واضح؛ حيث جرى استبدال الردع بالهيمنة، والترحيب بعدم الاستقرار في الدول المجاورة ما دام يضعف القدرات الحقيقية أو المتصورة على تهديد "إسرائيل".
وفي حالة لبنان، كما هو الحال مع إيران، يتجلى هذا النهج بأقصى صوره من خلال الاستعداد للترحيب بالنزاع الأهلي وانهيار الدولة إذا لم تتحقق المطالب الإسرائيلية، مما يمنح "إسرائيل" حرية التصرف في هذه الدول كما تشاء، بغض النظر عن التداعيات القانونية أو الأخلاقية، لضمان أمنها على حساب أي منافس محتمل؛ وبالنسبة للقادة الإسرائيليين، يعد هذا الوضع مكسبا مزدوجا لأنه يوفر الأمن بطريقة أو بأخرى، بحسب المقال.
ويستطرد الكاتب قائلا: تتضمن الاستراتيجية الإسرائيلية شن حرب شاملة تستهدف إلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالمواقع المدنية وغير المدنية على حد سواء لتنفيذ الأهداف الأمنية لإسرائيل.
وفي لبنان، تعني هذه الاستراتيجية تهجيرا جماعيا من مجتمعات يزعم أنها موالية لحزب الله، وتدميرا واسع النطاق للبنية التحتية في هذه المناطق، بما في ذلك استخدام المواد الكيميائية لتدمير التربة.
لبنان امتداد إسرائيلي لنموذج غزة
يضيف لانجلويس: لا تبالي "إسرائيل" بقواعد القانون الدولي، وتتعامل مع المنازل والمدارس والمستشفيات والمركبات الطبية والبنوك والطرق والجسور ومحطات المياه والكهرباء باعتبارها أهدافا عسكرية. وبحسب المسؤولين الإسرائيليين، ما يحدث في لبنان اليوم هو امتداد لنموذج غزة.

وبعيدا عن المقال، فقد صرح وزير مالية دولة الاحتلال المتطرف بتسلئيل سموتريتش، في 23 مارس 2026، بأن “نهر الليطاني يجب أن يكون هو الحدود بين إسرائيل وبين لبنان”، مضيفا: مثلما نسيطر على 55% من غزة علينا أن نفعل ذلك في لبنان.
أما جريدة "ذا جارديان" البريطانية، فقالت في تقرير سابق: إن بنيامين نتنياهو، المطلوب مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، حصل "بالفعل على كل ما طلبه: لقد دمر غزة، وهو في طريقه للضم الفعلي للضفة الغربية، وحتى الآن تجنب المثول أمام القضاء بتهم الفساد في إسرائيل أو الاعتقال في الخارج كما طالبت المحكمة الجنائية الدولية.
ومن خلال تقليص المنطقة بأكملها إلى تعريفها التعسفي لما هو تهديد، وسعت "إسرائيل" نفوذها ليشمل تحديد مصير المنطقة بأكملها، بل وبقية العالم أيضا.
لبنان بين سيناريوهين إسرائيليين.. أحلاهما مر
بالعودة إلى المقال، يقول الكاتب: بالنسبة للبنان، هناك سيناريوهان محتملان على المدى المتوسط والطويل إذا استمرت الحرب، أولهما المواجهة العسكرية المباشرة، بحيث تواصل "إسرائيل" غزوها البري، لكنها تصطدم بمقاومة فعلية من حزب الله، ويزداد احتمال اتجاه "إسرائيل" إلى احتلال طويل الأمد لجنوب الليطاني ونزوح السكان في المنطقة.
ويتابع: أما السيناريو الثاني، فيتمثل في ضعف الدعم الشعبي لحزب الله، مما يضطر الحزب إلى تعديل موقفه من الأسلحة دون التخلي الكامل عنها، ودفع الحكومة اللبنانية نحو محادثات تطبيع مع "إسرائيل" بالتزامن مع تشدد الحكومة اللبنانية في تعاملها مع الأنشطة العسكرية للحزب، حيث تقدم هذه الجهود لاحقا كتنازلات في مفاوضات هادئة. وقد تدفع واشنطن "إسرائيل" باتجاه التفاوض من أجل المكاسب الكبرى التي يسعى إليها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ويختتم لانجلويس مقاله بالقول: "إسرائيل" ستواصل على الأرجح احتلال جزء من الأراضي اللبنانية طويل الأمد، كما حدث مع صفقة الحدود البحرية في 2022، ما يعني أن السيناريو الأول هو الأكثر احتمالا؛ وأن "إسرائيل" ستسعى إلى تكريس احتلال طويل الأمد لجنوب الليطاني، والدفع بسكان تلك المنطقة إلى النزوح عن أراضيهم، ضمن سياسة تقوم على الهيمنة وليس الردع فقط.
- الفيديو المرفق يشير إلى غارة جوية شنتهها قوات الاحتلال الإسرائيلي على جسر القاسمية، وهو معبر رئيسي يربط جنوب لبنان بشماله، ما أدى إلى تدمير الجزء الواقع فوق نهر الليطاني.




