رئيس التحرير
عصام كامل

من قصور الملوك إلى صمت البرية: أرسانيوس معلم الأمراء وسيد الرهبان

الكنيسة، فيتو
الكنيسة، فيتو
18 حجم الخط

تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى نياحة القديس الأنبا أرسانيوس، معلم أولاد الملوك، وأحد أعلام الرهبنة المسيحية الذين سطروا سيرتهم بالصمت، والزهد، وعمق الروحانية.

 

قصة الأنبا أرسانيوس

ولد الأنبا أرسانيوس في مدينة روما من أسرة مسيحية ثرية، ونال قسطًا وافرًا من علوم الكنيسة والثقافة اليونانية، حتى اختاره الإمبراطور ثيودوسيوس الكبير ليكون معلمًا لابنيه أركاديوس وهونوريوس.

لكنه، وبعد سنوات من البلاط والتدريس الملكي، جاءه صوت إلهي يقول: "يا أرسانيوس، أخرج من العالم وأنت تخلص"، فترك القصور والجاه، وارتدى ثوب الرهبنة متجهًا إلى برية القديس مقاريوس في وادي النطرون بمصر، حيث عاش في زهد وسكون حتى وفاته عام 445 ميلادية.

تروى عن أرسانيوس مواقف كثيرة من التواضع والنسك الشديد؛ إذ رفض ميراثًا من أقاربه قائلًا: "أنا متّ منذ إحدى عشرة سنة، والميت لا يرث ميتًا"، وطلب من إحدى زائراته أن "يمحو الله ذكرها من عقله" كي لا تكون بابًا لمحاربة الشيطان له. كما قال عبارته الخالدة: "كثيرًا ما ندمت على الكلام، ولم أندم قط على الصمت".

أقام القديس في مصر أكثر من خمسين عامًا، تنقل خلالها بين أديرة وادي النطرون والإسكندرية وجبل طره، حيث اختتم حياته. وقبيل وفاته، طلب من تلاميذه أن يُلقى جسده للوحوش والطيور، لكنه ارتجف عند اقتراب لحظة الموت، وقال: "منذ دخلت سلك الرهبنة وأنا أتصور هذه الساعة". ثم أسلم الروح بسلام ولسان حاله يردد: "إذا سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شرًا، لأنك أنت معي".

وقد نُقل جسده بعد نياحته إلى القسطنطينية بأمر من الإمبراطور ثيودوسيوس الصغير، حيث بُني دير عُرف تاريخيًا باسم "دير القصير"، تكريمًا لذكراه.

وتخلد الكنيسة ذكراه باعتباره نموذجًا حيًا للتوبة الحقيقية، والمعرفة المقرونة بالاتضاع، والرهبنة التي تمزج بين الفكر والعمل والصمت، كما تروى حكمه الروحية لتكون نورًا لجيل بعد جيل.

الجريدة الرسمية