رئيس التحرير
عصام كامل

المجددون، الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء

الحسن البصري، فيتو
الحسن البصري، فيتو

عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يبعثُ لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدِّدُ لها دينها". 


ولم يشترط السيوطي أن يكون "المجدِّدُ" فردًا، بل يشمل كل من نفع الأمة وجدد لها شيئًا من أمور دينها ودنياها في أي مجال من المجالات، وأيده في ذلك ابن الأثير الجزري وشمس الدين الذهبي، وابن كثير الدمشقي، وابن حجر العسقلاني.
 

ولا يلزم أن تجتمع خصال الخير كلها في شخص واحد، بل قد يكون هناك أكثر من عالِمٍ في أكثر من مكان، في وقتٍ واحدٍ، أو أزمانٍ متفرقة، يتميز كل منهم بمزية في علم من العلوم الدينة والدنيوية، شريطة أن يكونوا جميعا مسلمين، مؤمنين، ملتزمين بهدي الدين الحنيف.
 

وهذا موجود، ولله الحمد، حتى قيام الساعة، فهناك من يتفوق في اللغة، والفقه، والتفسير، وهناك من يمتاز في العلوم الحديثة، كالطب والهندسة والتكنولوجيا، وغيرها.. وهناك من يدفع عن الإسلام شبهات الملحدين، والمتطرفين والمفرطين، ويصد هجمات المبطلين، والمنحرفين، وأعداء الدين.

 

الحسن بن يسار البصري (21 هـ - 110 هـ)

من مجددي القرن الأول، اعتبره الذهبي وابن الأثير الجزري، ومحمد شمس الحق العظيم آبادي، أحد المجددين على رأس المائة الأولى بصفته أحد فقهاء البصرة.

مولده

وُلد في المدينة المنورة، قبل سنتين من نهاية خلافة عمر بن الخطاب، عام واحد وعشرين من الهجرة، وكانت أمه "خيرة" مولاة لأم سلمة أم المؤمنين كانت تخدمها، وربما أرسلتها في حاجاتها فيبكي الحسن وهو رضيع فتشاغله أم سلمة برضاعته لتسكته، وبذلك رضع من أم سلمة.
فكانوا يرون أن تلك الحكمة والعلوم التي أوتيها الحسن من بركة تلك الرضاعة من أم المؤمنين زوجة رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

ودعا له عمر بن الخطاب، فقال: "اللهم فقهه في الدين وحببه إلى الناس".
 

حفظ الحسن القرآن الكريم في العاشرة من عمره.
 

عاش في الحجاز وعاصر عددًا كبيرًا من الصحابة وروى عنهم مثل: النعمان بن بشير، وجابر بن عبدالله، وابن عباس، وأنس بن مالك، رضوان الله عليهم.
 

لقبه عمر بن عبد العزيز بـ "سيد التابعين"، فكان يقول: "لقد وليت قضاء البصرة سيد التابعين".

في كابل

تنقَّل الحسن البصري بين أكثر من مدينة حيث كان مسقط رأسه في المدينة المنورة ونشأته، إلى أن سافر إلى كابل (عاصمة أفغانستان حاليا) بعد فتحها، كما عمل كاتبًا للربيع في خراسان وكان ذلك في عهد معاوية.
 

وفي سنة 37 هـ، استقر في البصرة حتى حصل على لقبه البصري وأصبح يعرف باسم "الحسن البصري".

وفي البصرة كانت مرحلة التلقي والتعلم، حيث استمع إلى الصحابة الذين استقروا بها، وفي سنة 43 هـ عمل كاتبا في غزوة لأمير خراسان الربيع بن زياد الحارثي لمدة عشر سنوات.
 

وبعد عودته من الغزو استقر في البصرة حيث أصبح أشهر علماء عصره ومفتيها حتى وفاته.
 

عاش الحسن جزءًا كبيرًا من حياته في دولة بني أمية، وكان متحفظًا على الأحداث السياسية، وخاصة ما يؤدي إلى الفتنة وسفك الدماء، حيث لم يخرج مع أي ثورة مسلحة ولو كانت باسم الإسلام، أما إن كان الحاكم ورعًا مطبقًا لأحكام الله مثل عُمر بن عبد العزيز، فإن الحسن ينصح له، ويقبل القضاء في عهده ليعينه على أداء مهمته.

نصائحه لعمر بن عبد العزيز

ومن بين مأثوراته، أنه كتب يوما للخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، ينصحه: "فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملَّكك الله كعبدٍ أئتمنه سيدُه واستحفظه ماله وعياله فبدد المال وشرَّد العيال، فأفقر أهله وبدد ماله".
ورفض الحسن البصري تصرفات طلبة العلم الذين يجعلون علمهم وسيلة للاستجداء، فقال لهم: "والله لو زهدتم فيما عندهم، لرغبوا فيما عندكم، ولكنكم رغبتم فيما عندهم، فزهدوا فيما عندكم".

صدامه مع الحجاج 

عندما استتب للحجاج أمر العراق، واستطاع أن يُلجم لسانهم، ويدعوهم إلى الطاعة، أقام لنفسه قصرًا مشيَّدًا وبيتًا في مدينة واسط الواقعة بين البصرة والكوفة، وعندما انتهى من بنائه طلب من الناس الخروج إليهم لرؤيته ومشاهدته عن كثب، ووصف جماله وبهرجته وروعته.

وما أن وصل الخبر إلى الحسن البصري، حتى وجد أن هذا التجمع يعد فرصة مواتية لإحقاق الحق ودعوة الناس إلى الخير، وصرفهم عن الزخارف وجمالها بما عند الله من فضل، ويذكرهم بالله وبأن الدنيا وبهجتها لا تسوي شيئًا عند الله تعالى.

وصل الحسن البصري فوجد أهل العراق يطوفون بقصر الحجاج معجبين بجماله وأناقته وحُسن تصميمه، فقال في حماسة ولهجة وعظ: "لقد نظرنا فما ابتنى أخبث الناس، فوجدنا أن فرعون قد شيد أعظم مما شيد، وبنى أعلى مما بنى، ثم أهلك الله فرعون، وآتى على ما بنى وشيد، ليت الحجاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه، وأن أهل الأرض قد غرّوه".

واستمر يصف الحجاج بأبشع الألفاظ، حتى إن الحاضرين قد أشفقوا عليه من الحجاج، فقالوا له: "حسبك يا أبا سعيد، حسبك هذا"، ولكنه ردهم بأن الله قد أخذ على أهل العلم والدين الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، وها أنا أبين لكم ما خفي عنكم.

وصاياه

جاء شاب إلى الحسن، فقال: "أعياني قيام الليل (أي حاولت قيام الليل فلم أستطعه)"، فقال: "قيدتك خطاياك".
 

وجاءه آخر فقال له: "إني أعصي الله وأُذنب، وأرى الله يعطيني ويفتح علي من الدنيا، ولا أجد أني محروم من شيء"، فقال له الحسن: "هل تقوم الليل؟ فقال: لا، فقال: كفاك أن حرمك الله مناجاته".

وكان يقول: "من علامات المسلم قوة دين، وجزم في العمل وإيمان في يقين، وحكم في علم، وحسن في رفق، وإعطاء في حق، وقصد في غنى، وتحمل في فاقة (جوع) وإحسان في قدرة، وطاعة معها نصيحة، وتورُّع في رغبة، وتعفف وصبر في شدة، لا ترديه رغبته ولا يبدره لسانه، ولا يسبقه بصره، ولا يقلبه فرجه، ولا يميل به هواه، ولا يفضحه لسانه، ولا يستخفه حرصه، ولا تقصر به نغيته".

وسُئل الحسن عن النفاق فقال: "هو اختلاف السر والعلانية، والمدخل والمخرج، ما خافه إلا مؤمن (أي النفاق) ولا أمنه إلا منافق".
قال محمد بن سعد "كان الحسن فقيها، ثقة، حجة، مأمونا، ناسكا، كثير العلم، فصيحا، وسيما". وكان من الشجعان الموصوفين في الحروب. 
قال أبو عمرو بن العلاء: "ما رأيت أفصح من الحسن البصري".

 أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء

وقال أبو حامد الغزالي: "وكان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء، وأقربهم هديا من الصحابة، وكان غايةً في الفصاحة، تتصبب الحكمة من فيه". (أي من فمه)
 

كان الحسن كثير الحزن، عظيم الهيبة، قال أحد أصحابه: "ما رأيت أحدا أطول حزنا من الحسن، ما رأيته إلا حسبته حديث عهد بمصيبة".
 

كان يقول: نضحك ولا ندري لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا. فقال: لا أقبل منكم شيئًا، ويحك يا ابن آدم، هل لك بمحاربة الله طاقة؟ إن من عصى الله فقد حاربه، والله لقد أدركت سبعين بدريًا، لو رأيتموهم قلتم مجانين، ولو رؤوا خياركم لقالوا ما لهؤلاء من خلاق، ولو رؤوا شراركم لقالوا: ما يؤمن هؤلاء بيوم الحساب.
 

قال حمزة الأعمى: وكنت أدخل على الحسن منزله وهو يبكي، وربما جئت إليه وهو يصلي فأسمع بكاءه ونحيبه فقلت له يومًا: إنك تكثر البكاء، فقال: يا بني، ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبكِ؟ يا بني إن البكاء داع إلى الرحمة. فإن استطعت أن تكون عمرك باكيا فافعل، لعله تعالى أن يرحمك. ثم قال الحسن: بلغنا أن الباكي من خشية الله لا تقطر دموعه قطرة حتى تعتق رقبته من النار.
 

عن حفص بن عمر قال: بكى الحسن فقيل له: ما يبكيك؟ فقال: أخاف أن يطرحني غدًا في النار ولا يبالي.
 

أما عن سبب حزنه فيقول الحسن رحمه الله: "يحق لمن يعلم أن الموت مورده، وأن الساعة موعده، وأن القيام بين يدي الله تعالى مشهده، أن يطول حزنه".
 

روى الطبراني عنه أنه قال: إن قومًا ألهتهم أماني المغفرة، رجاء الرحمة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم أعمال صالحة. يقول أحدهم: إني لحسن الظن بالله وأرجو رحمة الله، وكذب، ولو أحسن الظن بالله لأحسن العمل لله، ولو رجا رحمة الله لطلبها بالأعمال الصالحة، يوشك من دخل المفازة (الصحراء) من غير زاد ولا ماء أن يهلك.

وفاته

 

لما حضره الموت دخل عليه بعض أصحابه فقالوا له: يا أبا سعيد زودنا منك كلمات تنفعنا بهن، قال: "إني مزودكم ثلاث كلمات: ما نهيتم عنه من أمر فكونوا من أترك الناس له، وما أمرتم به من معروف فكونوا من أعمل الناس به، واعلموا أن خطاكم خطوتان خطوة لكم وخطوة عليكم فانظروا أين تغدون وأين تروحون"، وعند وفاته خرج أهل البصرة كلهم لتشييعه.


توفي الحسن في الأول من رجب سنة 110 للهجرة وعاش 88 سنة.
 

صلى عليه المسلمون عقب صلاة الجمعة، ويقع مرقده في البصرة.

 

 

 

ونقدم لكم من خلال موقع (فيتو)، تغطية ورصدًا مستمرًّا على مدار الـ 24 ساعة لـ أسعار الذهب، أسعار اللحوم ، أسعار الدولار ، أسعار اليورو ، أسعار العملات ، أخبار الرياضة ، أخبار مصر، أخبار اقتصاد ، أخبار المحافظات ، أخبار السياسة، أخبار الحوداث ، ويقوم فريقنا بمتابعة حصرية لجميع الدوريات العالمية مثل الدوري الإنجليزي ، الدوري الإيطالي ، الدوري المصري، دوري أبطال أوروبا ، دوري أبطال أفريقيا ، دوري أبطال آسيا ، والأحداث الهامة و السياسة الخارجية والداخلية بالإضافة للنقل الحصري لـ أخبار الفن والعديد من الأنشطة الثقافية والأدبية.

تابع موقع فيتو عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر قناة (واتساب) اضغط هــــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــــنا

تابع موقع فيتو عبر تطبيق (جوجل نيوز) اضغط هــــــــنا

الجريدة الرسمية