رئيس التحرير
عصام كامل

النصب التذكارى للبطل والشهيد.. متى يحل محل ديليسبس؟

عودة إلى تمثال مدينة بورسعيد المقام حديثا فى ساحة الشهداء قرب المتحف القومى للآثار، على نفقة أحد رجال الأعمال من أبناء المدينة، كنموذج محترم لدور المستثمرين فى خدمة مجتمعهم وتخليد معانى الوطنية بين مواطنيهم، بجانب بث قيم الجمال في محيطهم.


لكننا رأينا من خلال مقالى السابق عن التمثال أن حسن النوايا لا يكفى وحده، مع التضحية الكريمة بالمال، لتحقيق الهدف الأسمى، وذلك بإسناد العمل بالتكليف المباشر الى فنان بعينه بدون خبرة لدى الممولين بالتصميم الأنسب والأبعد عن شكوك الاقتباس.. 

بل من الضرورى الاستعانة إما بمرجعيات تملك الخبرة والنزاهة لاختيار النموذج الأمثل بعيدا عن نظام المقاولات وسد الخانة، وإما بالإعلان عن مسابقة بين الفنانين واتباع الخطوات الضامنة للوصول إلى أفضل النتائج وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص.
  

لكن ما حدث قد حدث ولا امل في إصلاحه، فدعونا نستدرك الأمر بإقامة مشروع جديد أراه الأقيم والأهم، وهو استخدام القاعدة الخالية لتمثال ديليسبس المخلوع بأيدى أبناء شعب بورسعيد البواسل، لتكون قاعدة لتمثال جديد يخلد النصر والمقاومة والنضال من أجل الحرية.. 

كما يخلد بطولة المدينة وشهداءها على مر الحروب والعصور، وفى الوقت ذاته فإن معارضة أهل بورسعيد لعودة تمثال ديليسبس الذى كان قد تقرر إعادته الى قاعدته رغم رفضه شعبيا، سيكون لها معنى حضاري يتمثل فى رمز نحتى جديد يصبح عنوانا للمدينة، ظسواء بالنسبة لأبنائها أو بالنسبة للقادمين إليها مع البواخر الأجنبية.


وأعود هنا لإحياء مشروع سبق أن نشرته عبر مقال بجريدة الأهرام منذ عدة سنوات، وهو اختيار تمثال النحات العظيم الراحل جمال السجينى ليكون النصب التذكارى المناسب لهذه القاعدة، وكان قد صممه خصيصا لهذا الغرض، وحالت ظروف من جانب الأجهزة المنوط بها المشروع دون تنفيذه قبل وفاته عام 79، وكان ذلك من عوامل إحباطه حتى قام بإلقاء بعض تماثيله وقوالبه الجصية في النيل في غمرة يأسه.


وقد علمت مؤخرا من الصديق الفنان عبد الرحمن نور الدين أن مصغٌَر التمثال موجود الآن بكلية الفنون الجميلة بالزمالك حيث كان السجينى رئيس قسم النحت بها، واقتراحى هو أن تتضامن بورسعيد بمحافظها ورجال أعمالها ومواطنيها معا لتوفير المال اللازم لتكبير التمثال وصبه بالبرونز على أيدى تلاميذ السجينى العظيم، ولن نجد خيرا منه كأستاذ رائد لن يختلف أحد على قيمة عمله وعمق أستاذيته.


وهنا لا بأس من بقاء تمثال الفلاحة المصرية في مكانه، وربما كسبنا أيضا قيام مناظرة حضارية بين مدرستين في النحت وجيلين في الفن ورؤيتين في الفكر، بين تمجيد البطولة والاستشهاد، وبين تخليد الأصالة المصرية القديمة برمز قرص الشمس المجنح.

 


 ما رأى أهل بورسعيد الكرام؟ هل يكملون جميلهم بتشييد هذا الصرح الذى يخلد نضالهم التاريخى كما يخلد رفضهم الشجاع لفرض ديليسبس عليهم من جديد كرمز قبيح للاستعمار القديم؟!
تحية لصاحب الفكر والمقال الراحل عزالدين نجيب.

الجريدة الرسمية