رئيس التحرير
عصام كامل

لماذا لا يكفي المال والجمال لخلق السعادة الزوجية؟!

هل يكفي مُجرَّدَ الميْل القلبي على أهميَّتِه البالغة لاختيار شريك الحياة؟! ثمة حالات زواج كثيرة ظن أصحابها أنهم اختاروا أزواجهم عن حب ثم انتهت علاقتهم الزوجية في المحاكم، وهو ما يعني أن الأمر، كما يقول الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، يحتاج إلى الاطمئنان -قَدْر الإمكان- إلى الاستعداد العقلي والخُلُقي، والقُدْرَةِ على تحمُّل مسئوليَّة صُنْع أُسرةٍ قادرة على تحدِّي الصُّعُوبات وتجاوز المشكلات لدى كلا الطرفين.


كثير من الناس يعجبه في المرأة جمالها وحسبها ومالها حسبما ورد في قول النبي الكريم: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ». 
 

اختيار ذات الدِّين لا يَنْفِي الاهتمام بالمؤهلات الثلاثة السَّابقة، بدليل أنَّ النبي في أحاديثٍ أُخرى حثَّ على التزوج من الودود الولود، ومن ذات الوجه الحسن التي قال فيها حين سُئل: «أي النِّسَاء خَيْر؟ قال: التي تَسُرُّهُ إذا نَظَرَ، وتُطِيعُهُ إذا أمَرَ، لا تُخالِفُهُ في نَفسِها ولا مالِها بِما يَكرَهُ». 


بيد أن الجمالِ والمال والنَّسَب مؤهلات قصيرةُ العُمْر، كثيرة التغيُّرٍ والتبدُّلِ، حتى تُصبحَ، في بعض الأحيان، وكأنها عاملٌ من عوامل شقاء الأُسرة وتدميرها، بخلاف مُؤهِّل الدِّين وطبيعته العاصمة للزوجة المتديِّنة من الوقوع في أَسْرِ فتنة الشَّكل، أو سَطْوَة المال والجاه، أو الفخر بالنَّسَب أو المركز الاجتماعي للعائلة أو الأسرة.

تجارب الحياة


ورغم أن المال أحد أقوى أعمدة الحياة، لكنه رغم أهميته لا يحقِّق السَّعادة المفقودة ولا يعوضها، ولا يُحقِّق المودَّة والرحمة التي بنى القرآن عليها عُشَّ الزوجيَّة، لأجل ذلك كان التزوجُ من أجل المال وحده يعمي بصيرة الزوجين عن رؤية عيوبهما، فيذهبان إلى عُشِّ الزوجيَّة وهما مُغيَّبان بتأثير الحلي والمتاع والأثاث الفاخر وبهرج الحفلات، وكلُّها أمور ذوات عُمر قصير سرعان ما تذهب..

 

بل سُرعانَ ما تَضيق الزوجة الغنية بالإنفاق على زوجها، ويتملَّكها شعور بأنَّها هي سَيِّدة هذا العُش، وأنَّ الذي معها ليس فارسًا كما تحب كل زوجة هانئة سعيدة أن ترى زوجها، وهذا الإحساس يقلب مشاعرها رأسًا على عقب؛ إذ الإنفاق على الزوجة والاهتمامُ بتلبية حاجاتها ومَطالبها وحاجات أولادها هو الرصيد اليومي المتجدِّد لشعور الزوجة بأنَّها مرغوبة عند زوجها وذات حظوة لديه.


تجارب الحياة تقول بوضوح إن الزوجة التي تعلم أنَّ زوجها قد تزوجها لمالها -فقط- لا تشعُر أنَّها تعيش مع زوج، بقدر ما تشعر أنَّها تعيش مع خادم أو مدير منزل تأتي أهميته في الدَّرجة الثالثة بعدها وبعد أولادها، وهذا كلُّه من وراء تحذيره ﷺ من زواج المرأة لمالها فقط،.


ولهذ فإن الزواج من أجل المال فقط، كما يقول الإمام الأكبر، لا يوجد معه ضامنٌ لاستمرار الأسرة، إذا ما استبدَّ طمع الزوج في مال زوجته، وإذا ما غلبت على الزوجة طبيعة الحرص على المال والبُخل به حتى على النفس، كما  أن الجمال رغم أنه من النِّعَم التي فُطرت القلوبُ على الميل إليها والتغنِّي بها، إلَّا أنَّه -مثل المال- إذا افتقد عُشُّ الزوجيَّةِ بواعثَ المودَّة والرحمة؛ فإنَّ جمال الزوجة لا يعوضها وزوجها ذرَّةً واحدة مِمَّا افتقداه، فإذا تلاشى الإحساس بالجمال، وانطفأت شعلةُ الإعجاب أو خَبَا ضوؤها ووهجُها، حينئذٍ يلزم البحث عن مثيرات أخرى للإعجاب غيرِ الشَّكل والصُّورة.


النبي ﷺ حذر شبابَ أُمَّته من أن يكون مقياسُ اختيارِهم لزوجاتهم هو: المال فقط أو الجمال فقط، وإنَّما الدِّين الذي هو مجمعُ الأخلاق والفضائل، فإن انضم إليه مال أو جمال فهو فضلٌ كبير من الله على عبده، وإنْ عَرِيَ عنهما ففيه وحده الكفاية والغناء.. يقول ﷺ: «لا تَزَوَّجوا النساءَ لِحُسْنِهِنَّ فعَسَى حُسْنُهُنَّ أن يُرْدِيَهُنَّ، وَلَا تَزَوَّجوهنَّ لِأَمْوالِهِنَّ فَعَسى أَمْوالُهُنَّ أن تُطْغِيَهُنَّ، ولَكِنْ تَزَوَّجوهُنَّ عَلَى الدِّينِ».

الجريدة الرسمية