رئيس التحرير
عصام كامل

محنة ترامب!

تابع العالم كله جلسة مجلس النواب الأمريكي ومراحله الإجرائية الثلاث، التى انتهت بالتصويت والموافقة علي عزل الرئيس الأمريكي بتهمة التحريض علي الفتنة. وبقدر ما كان قرار العزل متوقعا، لوجود أغلبية ديمقراطية بمجلس النواب ( ٤٣٥عضوا)، بقدر ما كان موقف أعضاء الحزب الجمهوري موضع تساؤل وتقص، ولن نقول محل استغراب أو دهشة. فقد صوت بالفعل عشرة أعضاء جمهوريين، وزعيم الأغلبية الجمهورى في النواب اعتبر ترامب مسئولا عن هجوم الرعاع علي الكونجرس . تعبيرات الرعاع والغوغاء والدهماء هي القاسم المشترك الأعظم في خطاب الإدانة اليومي، في الاعلام وعلي ألسنة الديمقراطيين..


ورغم أن هذه هي المرة الثانية لقرار النواب بعزل ترامب في أقل من سنة ولم تحدث من قبل لأي رئيس أمريكي، إلا أن المرة الأولي كان مجلس الشيوخ جمهوريا ( عدد الأعضاء ١٠٠)، فأنقذه حزبه الجمهورى بالفعل . مجلس الشيوخ من بعد يوم عشرين يناير وتنصيب بايدن نصفه جمهوري ونصفه ديمقراطي . لكن صوت نائبة الرئيس كاميلا هاريس هي الصوت المرجح . ومع ذلك فلابد من ثلثي الأصوات بالمجلس لتمرير قرار العزل وهو أمر صعب إذ لابد من الحصول علي تسعة أصوات جمهورية من الشيوخ . كان ذلك سهلا في النواب حيث منح عشرة جمهوريين أصواتهم لبايدن وضد رئيسهم الجمهورى .

ترامب أو الحرب: ٧٥ مليون ترامب

وكما أوضحنا في نفس هذا المكان، فإن الهدف هو إلغاء ترامب تماما من التاريخ الأمريكي ووصمه بالرئيس الأخطر، وحرمانه من مباشرة اي دور سياسي.. ومن الملفت للنظر أن عددا من الجمهوريين أيضا يريدون طرد ترامب من الحزب، وعدم عودته لممارسة أدوار سياسية، تؤهله لخوض غمار سباق الرياسة عام ٢٠٢٤. لكن لا يجوز اغفال القاعدة العريضة من المؤيدين لترامب في الشارع ولا في البرلمان.. ويمكن مراجعة اصوات من رفضوا ادانته في النواب ( أكثر من ٢٠٠جمهورى)


الموقف التحريضي لترامب، ورفضه المستمر لنتيجة الانتخابات، وادعاؤه أنها مزورة، وسقوط دعاواه القضائية ال٩٠، ومماطلته طويلا قبل أن يقر بأن بايدن سيكون الرئيس القادم للولايات المتحدة في العشرين من يناير.. كلها لم تقسم الولايات المتحدة الي يمين متطرف مسلح، ويسار متطرف فحسب، بل قسمت الحزب الجمهورى نفسه.

وكانت معلومات ابنة ديك تشيني الجمهورية أشارت أن كثيرين من الحزب الجمهورى اعتزموا التصويت ضد رئيسهم الجمهورى.. لكنهم امتنعوا خوفا علي بيوتهم واولادهم وأملاكهم من انتقام الجماعات المسلحة المناصرة لترامب.

يناير الأمريكي ومعركة الكونجرس

روح التشفي والانتقام كانت واضحة في كلمات الأعضاء الديمقراطيين، وبالطبع عاشت نانسي بيلوسي العدو اللدود لترامب ورئيسة مجلس النواب الديمقراطية أسعد وأعظم ايام حياتها، وهي ترى ترامب يتهاوى، ويلقي به في مكان مظلم رطب في الساحة الخلفية للتاريخ الامريكي .

ما رأيناه امس في واشنطن يثبت ان المؤسسات التى هزمها ترامب في انتخابات ٢٠١٦هي ذاتها التى هزمته في ٢٠٢٠، وأن النخبة التقليدية في واشنطن التى اطاح بها قبل أربع سنوات هي ذاتها النخبة التى تربصت به وتصيدت اخطاءه ونصبت له الفخ فدخله بحماقاته وتغريداته الجامحة المتواصلة !

والسبب في اعتقادنا، أنه لم يتحول الى جزء من منظومة الدولة، بل ظل يعمل بوصفه ترامب، الذي يدير الدولة بمفهوم رجل الأعمال.. الناجح القوى.. ومع الوقت والسلطة تتصخم الذات وتعلو وتجمح.. وتسخر ممن حولها.. فتقع الأخطاء . محنة ترامب الحقيقية انه حقق لبلاده ازدهارا اقتصاديا ملحوظا طيلة السنوات الثلاث الأولي من حكمه.. ثم أطاح به فيروس، بدد احلامه وألقى به خارج اسوار البيت الأبيض.
عشق السلطة.. يحدث تحولات في العقل والضمير والقرار. والدرس المستفاد: لا تناصب الاعلام ولا الدولة العميقة العداء.
الجريدة الرسمية