رئيس التحرير
عصام كامل

فائدة للوباء.. تجربة شخصية

لم أنتظر نتيجة مسحة أجريتها مصادفة قبل ٤٨ ساعة لأكتب وجهة نظرى هذه، فقط كانت نتيجة الأشعة المقطعية على الصدر كافية لدخولى العزل المنزلى الفورى الطوعى بعد تأكد إصابتى بالتهاب رئوي حاد أشد من كوفيد، بحسب طبيب الحميات.

تحاليل وصور الدم لم تظهر شيئا سيئا، ومخالطتي لمصابين لم تحدث، أو لم يظهر أحدهم يقينا أمامى، فقط جلوسي أمام تكييف سيارة صديقي قبل أسبوع فى عز الظهيرة وراء ظهور أعراض لشكاوى تبدو قديمة نسبيا وتطورت.

حالة الرضا التام بكل ابتلاء إلهي وقبوله هى أولى المكاسب، خاصة وأن المرض ولو بفيروس مصطنع هو قرار رباني، وتزيد حالة الرضا هذه بالعزلة وإخضاع الجسد للراحة الجبرية وهى حقه المهمل من طرفنا.

 

 24 ساعة عمل


استصغار كافة الأمور والأشياء والمشكلات، وكذلك الأشخاص ذوى الأزمات وغير الضروريين فى حياتنا، والحصول على دعم معنوى قوى ومباشر من كل محبينا، مكسب كبير لنا فى محنتنا.

فهم حقيقة واقعة، إن صلة الرحم لا علاقة لها بصلة الدم، وأن الأقرب إليك هو المتواجد إلى جوارك، كما أن مرضا غير متفق على طبيعته فى هذه الظروف يمكن أن يفرق بين أجيال لا يفهم بعضها عنه الكثير.

طريقة التعامل مع الأمر تبدو من طرفى أكثر بساطة وأعلى شجاعة، لأن لاشيء من جهتنا والأطباء والدواء سيغير قدرا أو يؤجل نهاية، كما لم أفهم أن اهتماما مبالغا فيه أكثر من طلب العزلة والدواء والدعم المعنوى يحتاجه المريض.

مشاهد مقابلة فى مراكز الأشعة والتحاليل داخل محيطك الضيق تجد فيه أعدادا غير قليلة من المواطنين المقبلين على الفحص وشراء الدواء والتعامل "الفردى" مع شكاواهم، وهى تعطيك انطباعا بأن حكومات دول العالم كله ربما فقدت السيطرة على الإحصاء فيما يتعلق بانتشار الوباء، وهى تقدم يوميا أرقاما صادقة بالفعل لكن فى حدود ما تسيطر عليه من طرق إحصاء، وتكرر معه نداءاتها بالرهان على الوعى العام وضرورة نشر ثقافة العلاج والعزل المنزلى حال تطورت الأمور.

 

الحياة عن بعد.. والموت أيضاً


الاختلاط بطبيعة عمل الأطباء عن قرب ولو لدقائق فى ظل وباء يؤكد لك أنك أمام جيش مصر الأبيض حقا كما تصفه القيادة العليا للبلد، ولا يمكننا إلا أن ننقل لهم تقديرنا واحترامنا، وابتساماتنا أيضا.

لا يمكن أن أنسى مقابلة الدكتور محمد جمال مدير الطواريء وزميلته الراقية داخل مستشفى العباسية للحميات وإيضاحاتهما العلمية لحقيقة حالتى، ولا متابعة الدكتور محمود قنديل استشاري الجراحة العامة التى لا تنقطع عني وزملائي الصحفيين، ومعه الدكتور عمرو عبد العزيز والدكتور عادل عبد الله والدكتور عمرو قنديل الذين يتواصلون مع كل من يحتاجونهم ليلا نهارا طواعية.

بقيت ملاحظات لا تبتعد عن فوائد الابتلاء، أهمها الإهمال المتعمد لمواطنين بعد تخفيف الحظر، وهى ظاهرة كارثية فى الشوارع والمقاهى وأماكن التجمعات والمواصلات العامة، ولا يمكننى الفصل بين سلوك هؤلاء وأسباب تزايد أعداد المصابين وتحمل الدولة ومؤسساتها الكثير جراء إهمالهم رغم بساطة إجراءات الوقاية المطلوبة منهم.

أيضا، الرقابة على مخالفى إجراءات الوقاية تبدو الآن أخف، وهى مسألة تحتاج لإعادة تأهيل الوعى المؤسسي فى تطبيق القوانين والقرارات، وكل وزير مسؤول عن تابعيه ومرافق وزارته فى هذا الخصوص، فلا تزال المواجهة المؤسسية للفيروس هى الضامن الأول لحماية الناس من الوباء.

 

 يتعاملون بصدق مع مهام عملهم


ستتغير علاقات العمل وطبيعة النشاط فى اقتصاديات شتى، وهى فرصة لإعادة تقييم نشاط كل منا وآلية تطبيقه والمهارات المطورة له، كما ستعاد صياغة العلاقات الاجتماعية على أساس التفاعل الحقيقي والتقارب الجاد وقت الأزمة بغض النظر عن قرابة الناس دما، وستنشأ علاقات الأزمة التى تضمن بقاء حقيقيا بعيدا عن الزيف والنفعية.

إجهادى صحيا لا يجعل لدى طاقة أكبر لكتابة الكثير عن فوائد هذا الابتلاء والوباء، ودعواتى لكل المحبين بالشفاء تسبق دعوتى لنفسي، وشعوري بالقوة بات أكبر بعد الأيام القليلة الماضية التى عايشتها، ولا أتمنى لغيري تكرارها، وأولهم من اقتربوا منى فى أزمتى حقيقة، ومن ابتعدوا طواعية، لكن أتمنى أن يحظى الكافة بالعبرات والعظات التى يمن علينا بها الخالق عز وجل.


الجريدة الرسمية