الإنذار الأخير قبل أن يتحول التعليم الطبي إلى كارثة!
هناك أزمات تتسلل إلى جسد الدولة ببطء، حتى إذا استفحلت بدا علاجها أكثر كلفة من الوقاية منها. وأزمة التعليم الطبي في مصر تكاد تكون النموذج الأكثر تعبيرًا عن هذا المعنى.
اليوم أكد الدكتور عبدالعزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي خلال اجتماع المجلس الأعلى للمستشفيات الجامعية، عدم الموافقة على إنشاء أو بدء الدراسة بأي كلية طب جديدة إلا بعد الانتهاء من إنشاء مستشفى جامعي مستوفٍ لجميع الاشتراطات والمعايير اللازمة، بما يضمن توفير بيئة تعليمية وتدريبية متكاملة، والارتقاء بجودة مخرجات التعليم الطبي.
فالطب ليس كلية كسائر الكليات، ولا شهادة مثل الشهادات الأخرى، ولا مهنة تخضع لحسابات السوق والعرض والطلب. إنه آخر خطوط الدفاع عن حياة الإنسان، وأول اختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية مواطنيها.
في السنوات الأخيرة، بدا وكأن إنشاء كليات الطب تحول إلى سباق مفتوح. جامعات حكومية، وأهلية، وخاصة، تتوسع في افتتاح الكليات واستقبال آلاف الطلاب، بينما بقي السؤال الأكثر جوهرية غائبًا عن المشهد: أين سيتم تدريب هؤلاء؟
فكلية الطب ليست مبنى زجاجيًا حديثًا، ولا مدرجات مكيفة، ولا معامل متطورة فحسب. قلبها الحقيقي هو المستشفى الجامعي. هناك فقط يبدأ الطب الحقيقي. هناك يتعلم الطالب كيف ينصت إلى المريض، وكيف يقرأ أعراضه، وكيف يوازن بين القرار العلمي والضمير المهني. ولهذا لم يكن غريبًا أن تصف نقابة الأطباء المستشفى الجامعي بأنه "القلب الحقيقي للعملية التعليمية".
أما أن تُنشأ كلية طب دون مستشفى جامعي، ثم يُقال إن بروتوكولات تعاون مع بعض المستشفيات العامة أو الخاصة يمكن أن تعوض هذا النقص، فذلك يشبه إنشاء كلية للطيران دون وجود مطار وطائرات، ثم مطالبة الطلاب بتعلم قيادة الطائرات عبر المحاكاة فقط.
الأخطر أن الدولة تبدو وكأنها تقيس النجاح بعدد الكليات، لا بجودة الأطباء. حيث تفخر الحكومة بوصول عدد كليات الطب إلى 59 كلية في مختلف الجامعات الحكومية والأهلية والخاصة. رغم أن الأرقام وحدها لا تصنع نهضة.
يمكن لأي دولة أن تفتتح عشرات الكليات في سنوات قليلة، لكن لا يمكنها أن تُخرج طبيبًا واحدًا جيدًا إذا غاب التدريب والتأهيل الحقيقي. الطب لا يُدرَّس في القاعات وحدها. بل يُولد بجوار سرير المريض.
والحقيقة أن التوسع في الجامعات الخاصة والأهلية جاء ليضيف بعدًا أكثر تعقيدًا إلى الأزمة. وبالطبع ليس هناك اعتراض على وجودها، ولا على دورها في تخفيف الضغط عن الجامعات الحكومية، ولا على الاستثمار في التعليم من حيث المبدأ. فالاستثمار في المعرفة ضرورة، لا ترف. لكن السؤال يظل قائمًا: هل أصبح الاستثمار في التعليم الطبي منفصلًا عن الاستثمار في جودة التعليم نفسه؟
لقد شهدت السنوات الأخيرة انخفاضًا واضحًا في الحدود الدنيا للقبول بكليات الطب في عدد من الجامعات الخاصة والأهلية مقارنة بالجامعات الحكومية. ولا يتعلق الأمر هنا بانتقاص طالب أو التقليل من قدراته، فالتفوق الدراسي ليس معيارًا وحيدًا للنجاح المهني، لكن المجموع يظل أحد المؤشرات على الاستعداد الأكاديمي لدراسة واحدة من أكثر المهن تعقيدًا ومسؤولية.
وإذا كان من المقبول أن تختلف معايير القبول، فمن غير المقبول أن تختلف معايير الجودة. فكلما انخفض معيار الدخول، وجب أن يرتفع معيار التدريب. لا أن ينخفض هو الآخر.
المفارقة أن الجامعات التي تستقبل آلاف الطلاب تحتاج إلى آلاف المرضى أيضًا، وآلاف الحالات السريرية، ومئات من أعضاء هيئة التدريس، وعدد مناسب من غرف العمليات، حتى يحصل كل طالب على الحد الأدنى من التدريب الذي يؤهله لممارسة المهنة.
لكن الواقع يقول شيئًا آخر. تكدس داخل المستشفيات. ازدحام في غرف العمليات. طلاب يتناوبون على مشاهدة الحالة الواحدة. وأطباء امتياز يبحثون عن فرصة للممارسة الفعلية فلا يجدونها. هكذا تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى رحلة نظرية، بينما يبقى الاحتكاك الحقيقي بالمريض محدودًا إلى الحد الذي يهدد جوهر العملية التعليمية.
وهناك وجه آخر للأزمة لا يقل خطورة. لقد أصبح الأستاذ الجامعي نفسه موزعًا بين أكثر من مؤسسة. يدرّس هنا، ويحاضر هناك، وينتدب في جامعة ثالثة، بينما يواصل عمله في المستشفى أو العيادة الخاصة.
ولأن إنشاء كليات الطب الجديدة يسبق قدرتها على بناء كوادرها، فقد أصبحت تعتمد على استقطاب أساتذة الجامعات الحكومية، وهو ما خلق استنزافًا متواصلًا للطاقات البشرية، وأضعف الانتماء المؤسسي، وحوّل بعض أعضاء هيئة التدريس إلى مسافرين دائمين بين الجامعات.
أما الشباب من المعيدين والمدرسين المساعدين، الذين يفترض أن يمثلوا مستقبل الجامعات، فيواصل كثير منهم البحث عن فرصة خارج البلاد. وهكذا نخسر الطرفين معًا. نستنزف الخبرة ونفقد المستقبل.
الطب، في جوهره، ليس سوقًا. لكننا نتعامل معه أحيانًا بمنطق السوق..عدد أكبر من الكليات، عدد أكبر من الطلاب، عدد أكبر من الرسوم. بينما لا يزيد عدد الأسرّة التعليمية، ولا غرف العمليات، ولا أعضاء هيئة التدريس، ولا فرص التدريب بنفس المعدل. إنها معادلة مختلة.
وحين تختل معادلة التعليم الطبي، لا يدفع الثمن وزير أو رئيس جامعة أو مستثمر في التعليم. بل يدفعه المواطن، وهو يسلم حياته لطبيب قد يكون اجتاز الامتحانات، لكنه لم يجتز الاختبار الحقيقي للمهنة.
المؤسف أن العالم يسير في اتجاه مختلف تمامًا، فهيئات الاعتماد الدولية لا تمنح الاعتراف لكليات الطب استنادًا إلى جمال مبانيها أو حداثة معاملها، وإنما إلى جودة التدريب السريري، ونسبة أعضاء هيئة التدريس إلى الطلاب، وعدد الأسرّة التعليمية، والالتزام بالمعايير الأكاديمية الصارمة.
أما نحن، فما زلنا أسرى ثقافة الأرقام. كم كلية افتتحنا؟ كم طالبًا تم قبولهم؟ كم جامعة أضفنا؟ بينما السؤال الأهم يظل بلا إجابة: كم طبيبًا جيدًا خرّجنا؟
ليست المشكلة في التوسع. بل في التوسع الذي يسبق التخطيط. وليست المشكلة في الاستثمار. بل في الاستثمار الذي يتقدم على الجودة. وليست المشكلة في زيادة أعداد الأطباء بل في زيادة أعداد الشهادات.
هناك فرق شاسع بين طبيب يحمل شهادة.. وطبيب يستطيع أن ينقذ حياة إنسان. هذا الفرق لا تصنعه اللوائح، ولا الإعلانات، ولا المباني، بل يصنعه التدريب.
إن الدولة التي تراهن على المستقبل لا تبني كليات فقط، وإنما تبني ثقة الناس في أطبائها. ولا يكفي أن يكون لدينا عشرات الآلاف من الخريجين إذا كان المجتمع يفقد تدريجيًا ثقته في مستوى التأهيل. فالطب ليس ملفًا تعليميًا فقط.
إنه قضية أمن قومي، وقضية عدالة اجتماعية، وقضية كرامة إنسانية؛ لأن الفقير، قبل الغني، يستحق أن يطمئن إلى أن الطبيب الذي يقف أمامه لم يتخرج من كلية بلا مستشفى، ولم يحصل على شهادة بلا تدريب، ولم يعبر سنوات الدراسة مدفوعًا بمنطق السوق أكثر من منطق العلم.
إن ما نحتاج إليه اليوم ليس وقف التوسع من أجل الوقف، ولا إغلاق أبواب التعليم الطبي، وإنما إعادة تعريف الأولويات. أن يسبق بناء المستشفى افتتاح الكلية، وأن تسبق الجودة الإعلان عن النجاح، وأن تسبق الكفاءة حسابات الاستثمار؛ فالطب ليس مشروعًا عقاريًا، ولا سلعة تعليمية، ولا بابًا لتحقيق الإيرادات. إنه مهنة تحرس الحياة.
وأخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة هو أن تتحول حماية الحياة نفسها إلى منتج يخضع لمعادلات السوق.عندها لن تكون الأزمة في التعليم وحده. بل في قدرة الدولة على الوفاء بأبسط تعهداتها لمواطنيها: أن يجدوا، عندما يمرضون، طبيبًا تعلم الطب وتدرّب جيدًا قبل أن يحصل على شهادته.