عن أي فخر يتحدثون؟!
كانت الكلمات حتى وقت قريب تعرف أماكنها جيدا، فالشجاعة للشجعان، والتضحية للمضحين، والفخر لمن أنجز أو صبر أو قدم ما يستحق أن يحتفى به، ولم يكن أحد يحتاج إلى قاموس إضافي ليعرف معنى الفخر فهو شعور طبيعي يولد من الإنجاز، لا من مجرد الانتماء إلى حالة أو هوية أو رغبة.
ثم حدث شيء غريب. بدأت بعض الكلمات تنتزع من معناها الأصلي، وتعاد تعبئتها بمعان جديدة، حتى صار اللفظ ذاته، بمجرد سماعه، لا يستدعي معناه اللغوي، بل يستدعي أجندة ثقافية كاملة.
ولعل أشهر الضحايا كان قوس قزح. ذلك المشهد السماوي الذي ظل آلاف السنين مجرد لوحة من صنع الخالق، يظهر بعد المطر ليذكر الناس بجمال الكون واتساعه، وجد نفسه فجأة وقد أصبح شعارا سياسيا وثقافيا، حتى إن طفلا يرسم ألوان الطيف قد يجد نفسه مضطرا إلى شرح أنه يقصد المطر.. لا شيئا آخر.
واليوم، يبدو أن كلمة الفخر تسير في الطريق نفسه. فإذا قيل: شهر الفخر، لم يعد الذهن يذهب إلى العلماء، ولا الجنود، ولا الأطباء، ولا العمال الذين يبنون الحياة حجرا فوق حجر، بل إلى قضية بعينها، وكأن ملايين البشر الذين يحق لهم أن يفخروا بجهدهم وتضحياتهم قد خرجوا من الصورة، لتحل محلهم دلالة جديدة فرضت على الكلمة فرضا.
وهنا يبدأ السؤال. الفخر.. بماذا؟
الفخر في أصله احتفاء بما كسبه الإنسان بعد عناء، أما أن يتحول إلى احتفال بسلوك أو ميول مخالفة للفطرة التي خلق الله الناس عليها، فهذا انتقال في المعنى يحتاج إلى تفسير أكثر مما يحتاج إلى تصفيق.
لقد تغير الخطاب العالمي في قضية الشذوذ الجنسي على نحو لافت. في البداية، كان يقول: لا تكرهوا أصحاب هذه الميول، فهم -بحسب هذا الطرح- لم يختاروا ما يشعرون به. ثم انتقل إلى مرحلة أخرى: اعتبروا الأمر طبيعيا. ثم إلى مرحلة أكثر حدة: إن لم تعتبره طبيعيا، فأنت متخلف أو متعصب.
أما اليوم فقد تجاوز الخطاب حدود المطالبة بالقبول، إلى محاولة إعادة تشكيل الذائقة العامة، حتى غدت كثير من الأفلام والمسلسلات الغربية تتعامل مع هذه الممارسات باعتبارها النموذج الذي ينبغي أن يتقبله الجميع، بل وتقدمه أحيانا بوصفه تجربة إنسانية تستحق الاكتشاف، وكأن الاعتياد لا يكفي، بل لا بد من التطبيع الكامل ثم الاحتفاء ثم التشجيع.
ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن بعض الأعمال الفنية باتت تتعامل مع الاعتراض الأخلاقي أو الديني وكأنه العيب الوحيد في القصة، بينما تمنح الشخصيات الأخرى هالة من الكمال الإنساني، في رسالة تبدو واضحة تقول ليست المشكلة فيما تفعل، بل فيمن لا يصفق لك.
وهنا تتحول الدراما من فن يروي الحكايات إلى درس إلزامي في إعادة هندسة القناعات. المشكلة الحقيقية في الإصرار على إعادة تعريف اللغة والأخلاق معا، حتى يصبح الاعتراض على هذا التعريف نفسه جريمة فكرية.
اليوم سرقت كلمة الفخر، وقبلها اختطف قوس قزح، وغدا قد تعاد صياغة كلمات أخرى، حتى نصحو ذات صباح لنكتشف أن القاموس الذي تعلمناه في المدارس لم يعد صالحا للاستعمال. فالكلمات حين تنتزع من جذورها لا يتغير معناها وحده.. تتغير معها طريقة التفكير، ثم طريقة النظر إلى العالم.
ولهذا، فإن الدفاع عن اللغة ليس معركة لغوية فحسب، بل هو دفاع عن المعنى نفسه لأن الأمم لا تهزم فقط حين تحتل أراضيها، بل قد تهزم أيضا حين يعاد تعريف كلماتها، فتصفق لما كانت تنكره، وتنكر ما كانت تفتخر به.
وهنا، فقط، يصبح السؤال أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: هل ما زال الفخر يعني ما كنا نعرفه.. أم أن الكلمة هي الأخرى أصبحت تبحث عن معناها الضائع؟ ولعل أخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس فساد السياسة ولا اضطراب الاقتصاد، وإنما اضطراب البوصلة التي أودعها الله في فطرته.
فحين تطمس الفطرة، يصبح المنكر مألوفا، ويغدو المعروف غريبا، وتبدأ رحلة الهلاك قبل أن يشعر الناس أنهم يسيرون إليها. وما من أمة انحرفت عن سنن الله إلا بدأ انحرافها حين أعادت تعريف الحق والباطل، والحسن والقبيح، ثم طالبت الناس بالتصفيق لهذا التبديل.
ولست أكتب هذه الكلمات ادعاءً للكمال، فكلنا أصحاب ذنوب نرجو من الله أن يغفرها، ولسنا أوصياء على قلوب العباد ولا قضاة على مصائرهم. لكنني أكتبها انطلاقا من يقين لا أساوم عليه، وهو أن ما حرمه الله لا يمكن أن يصبح فضيلة بتكرار عرضه في الأفلام، ولا أن يتحول إلى مصدر فخر بتغيير المصطلحات أو بتبديل الشعارات.
وأُشهد الله تعالى أنني أبرأ إليه من كل قول أو فعل أو دعوة تخالف فطرته التي فطر الناس عليها، أو تعارض شرعه الذي ارتضاه لعباده، وأسأله سبحانه أن يثبتنا على الحق، وأن يرزقنا البصيرة فلا تختلط علينا الأسماء حتى نُسمّي المعصية حرية، ولا الانحراف فخرا، ولا تبديل الفطرة تقدما، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾.