تصدير العقار المصري.. عندما تتحول الرؤية إلى سياسة دولة
لم يعد الحديث عن تصدير العقار مجرد اجتهاد اقتصادي أو فكرة يطرحها الخبراء، بل أصبح توجهًا رسميًا تؤكده الدولة المصرية على أعلى مستوى، بعدما شدد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال مؤتمره الصحفي الأخير، على أهمية هذا الملف باعتباره أحد المسارات الواعدة لجذب الاستثمارات الأجنبية وزيادة موارد الدولة من النقد الأجنبي، مؤكدًا أن العديد من الدول ذات الاقتصادات القوية تتبنى هذا النهج وتحقق من خلاله عوائد اقتصادية كبيرة.
وتحمل هذه التصريحات دلالة مهمة، فهي تعكس إدراك الدولة للتحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، حيث لم يعد القطاع العقاري مجرد نشاط للبناء والتشييد، وإنما أصبح صناعة تصديرية قادرة على جذب رؤوس الأموال الأجنبية، ودعم ميزان المدفوعات، وتنشيط عشرات القطاعات الاقتصادية المرتبطة به.
وقد أوضح رئيس الوزراء أن تملك الأجانب للعقارات لا يمثل أمرًا سلبيًا، لأن المستثمر يتملك وحدة عقارية وليس أرضًا، وأن هذا الملف يخضع لضوابط وتشريعات واضحة تحفظ حقوق الدولة، وهو ما يبدد كثيرًا من المخاوف التي أثيرت حول هذا الموضوع، ويؤكد أن الهدف هو تعظيم العائد الاقتصادي للدولة من خلال جذب العملة الأجنبية والاستثمارات المستدامة.
والحقيقة أن تصدير العقار لا يقتصر على بيع شقة أو فيلا لمستثمر أجنبي، بل يمتد أثره إلى ما يعرف باقتصاد الإقامة طويلة الأجل، حيث يتحول مالك العقار إلى مقيم أو زائر متكرر ينفق بصورة مستمرة على الخدمات الصحية والتعليمية والسياحية والترفيهية والمطاعم والتسوق والنقل، بما يوفر تدفقات مستدامة من العملات الأجنبية، ويخلق فرص عمل جديدة في العديد من القطاعات.
ولعل ما أشار إليه الدكتور مصطفى مدبولي بشأن استفادة دول عديدة من هذا النموذج يؤكد أن المنافسة الإقليمية والعالمية في جذب المستثمر العقاري أصبحت حقيقة قائمة، وأن الدول الناجحة لم تعتمد فقط على جودة المشروعات العقارية، وإنما وفرت منظومة متكاملة تشمل سهولة التملك، وسرعة الإجراءات، والإقامة، والخدمات، والاستقرار التشريعي، بما يجعل الاستثمار العقاري تجربة متكاملة وليست مجرد عملية شراء.
وفي هذا الإطار، تمتلك مصر جميع المقومات التي تؤهلها لأن تصبح واحدة من أهم أسواق تصدير العقار في المنطقة. فالموقع الجغرافي الفريد، والمناخ المعتدل، وتنوع المقاصد السياحية، والمدن الجديدة، وشبكات الطرق والمطارات، والمشروعات العمرانية العملاقة، جميعها تمنح السوق العقارية المصرية ميزة تنافسية حقيقية.
كما أن وجود شركات تطوير عقاري مصرية كبرى، نجحت في تنفيذ مشروعات تضاهي المعايير العالمية، يعزز ثقة المستثمر الأجنبي، ويمنحه منتجًا عقاريًا يتمتع بجودة عالية وقيمة استثمارية متنامية.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تستدعي إطلاق استراتيجية وطنية متكاملة لتصدير العقار المصري، تقوم على الترويج الخارجي الاحترافي، وتبسيط إجراءات التملك والتسجيل، وربط شراء العقار بمزايا الإقامة طويلة الأجل، والتوسع في التسويق الرقمي الدولي، مع توفير منظومة إلكترونية موحدة تتيح للمستثمر الأجنبي إتمام جميع الإجراءات بسهولة وشفافية.
إن تصريحات رئيس الوزراء تمثل رسالة واضحة بأن الدولة تنظر إلى القطاع العقاري باعتباره أحد المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي، وليس مجرد قطاع إنشائي، وأن تعظيم الاستفادة منه أصبح جزءًا من رؤية أوسع تستهدف زيادة تدفقات النقد الأجنبي، وجذب الاستثمارات، وتحقيق التنمية المستدامة.
ويبقى التحدي الحقيقي هو سرعة تحويل هذه الرؤية إلى برامج تنفيذية وسياسات تسويقية فعالة، حتى يصبح تصدير العقار المصري أحد أهم مصادر العملة الصعبة خلال السنوات المقبلة، تمامًا كما نجحت دول عديدة في تحويل القطاع العقاري إلى ركيزة أساسية من ركائز اقتصادها الوطني