مصر تفرح.. عندما تتحول كرة القدم إلى انتماء ووحدة وطنية
بدأ المنتخب الوطني المصري مشواره في كأس العالم 2026، المقامة في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك، وسط ظروف استثنائية وصعبة، فالبطولة تُقام على مساحات جغرافية شاسعة تتطلب السفر المستمر بين الولايات المتحدة والدول، مع اختلاف التوقيتات ودرجات الحرارة، وهو ما يفرض أعباءً بدنية وذهنية كبيرة على اللاعبين والأجهزة الفنية.
ولأن النجاح في البطولات الكبرى لا يتحقق بالجهد الفني وحده، فقد لعب الاتحاد المصري لكرة القدم دورًا محوريًا في تهيئة المناخ المناسب للمنتخب الوطني، منذ بداية الاستعدادات وحتى انطلاق المنافسات. فنجح في توفير الاستقرار الإداري والتنظيمي، وتأمين الاحتياجات الفنية والطبية واللوجستية للبعثة، بما أتاح للجهاز الفني واللاعبين التركيز الكامل على مهمتهم داخل الملعب.
وقد انعكس ذلك بوضوح على حالة الانضباط والالتزام التي ظهر بها المنتخب طوال البطولة.
ولم تكن التحديات مقتصرة على المنتخب وحده، بل امتدت إلى الجماهير المصرية التي تكبدت تكاليف باهظة من أجل مؤازرة منتخبها الوطني، سواء في السفر أو الإقامة أو تذاكر المباريات.
ورغم ذلك، كانت المفاجأة هي الحضور المصري الكاسح الذي ملأ مدرجات الملاعب، حيث توافد المشجعون من مختلف الولايات الأمريكية وكندا، وانضم إليهم مصريون مقيمون في أوروبا وأشقاء عرب وأفارقة حرصوا على الوقوف خلف المنتخب المصري.
لقد كانت ظاهرة تستحق الدراسة. ففي المباراة الأولى أمام بلجيكا، كان الصوت المصري هو الأعلى، وقدم المنتخب أداءً نال إشادة المتابعين والمحللين، وانتهى اللقاء بالتعادل رغم أن المنتخب المصري كان الأقرب إلى الفوز.
أما المباراة الثانية أمام نيوزيلندا، فقد جسدت معنى الانتماء بأروع صوره. تجاوزت نسبة الجماهير المصرية 85% من سعة الاستاد، فيما احتشد الآلاف حوله لمساندة الفراعنة. ورغم تقدم المنتخب النيوزيلندي بهدف مبكر، فإن الجماهير لم تفقد ثقتها في منتخبها.
وخلال استراحة ما بين الشوطين، نجح المدير الفني حسام حسن وجهازه المعاون في إعادة الثقة إلى اللاعبين وتذكيرهم بمسؤوليتهم تجاه ملايين المصريين، فيما لعب القائد محمد صلاح دورًا مهمًا في رفع الروح المعنوية داخل الملعب.
وفي الشوط الثاني ظهر منتخب مختلف تمامًا؛ انضباط تكتيكي، وروح قتالية عالية، وسيطرة واضحة على مجريات اللقاء، تُرجمت إلى ثلاثة أهداف مستحقة أمام منافس قوي، ليحقق المنتخب فوزًا كبيرًا ويتصدر مجموعته في بداية تاريخية وغير مسبوقة.
ولعل المشهد الأكثر تأثيرًا لم يكن داخل الملعب فقط، بل خارجه أيضًا. فعلى الرغم من إقامة المباراة في الرابعة صباحًا بتوقيت القاهرة، ظل المصريون على موعد مع منتخبهم. ففي العاصمة الإدارية الجديدة تجمع عشرات الآلاف أمام الشاشات العملاقة، وامتلأت المقاهي والأندية بالجماهير، فيما تابع المصريون والسائحون اللقاء في الغردقة وشرم الشيخ وغيرها من المدن السياحية.
لقد أثبتت هذه المشاهد أن الرياضة ليست مجرد نتائج وأهداف، بل هي إحدى أهم أدوات تعزيز الانتماء الوطني وصناعة الأمل. ففي لحظات الفرح الجماعي تتراجع الخلافات وتتوارى المشكلات اليومية، ويلتف الجميع حول هدف واحد وعلم واحد وحلم واحد.
كما قدم المنتخب المصري نموذجًا يُحتذى في الانضباط والالتزام والعمل الجماعي، حيث اختفت الحسابات الفردية أمام المصلحة الوطنية، وظهر اللاعبون كفريق واحد يقاتل من أجل إسعاد ملايين المصريين.
ولم يكن مستغربًا أن يبادر الرئيس عبد الفتاح السيسي بتهنئة المنتخب الوطني عقب المباراة، في لفتة تعكس تقدير الدولة للإنجاز الرياضي وللدور الذي تلعبه الرياضة في إسعاد المواطنين وتعزيز روح الانتماء.
إن ما نشاهده اليوم ليس مجرد مشاركة في كأس العالم، بل قصة وطن يبحث عن الفرح ويستحقه. وبين أداء منتخب منضبط ومقاتل، وجماهير صنعت ملحمة في المدرجات، وإدارة وفرت أسباب النجاح والاستقرار، كانت النتيجة فرحة وطن بأكمله اجتمع حول اسم واحد وعلم واحد وحلم واحد.
لقد انتصر المنتخب داخل الملعب، وانتصرت الجماهير في المدرجات، وانتصر العمل المؤسسي في الإدارة والتنظيم، فكانت النتيجة لحظة وطنية خالصة أكدت أن مصر، عندما تتوحد إرادتها خلف هدف واحد، قادرة دائمًا على صناعة الفرح والأمل.
