رحلة مع الفيلسوف الهولندي اسبينوزا (2)
إن الوقوف على أفكار الفيلسوف الهولندي اسبينوزا، يفيدنا كثيرًا في معرفة ما بداخل كتاباته من آراء هامة، قد تجاوزت عصرها ومكانها لتصل إلينا، ولنا أن نأخذ منها ما هو يناسب بيئتنا، ذلك أن الأفكار ليست لها موطن محدد وخاص بها، ولا زمان بعينه لا تتجاوزه، فالأفكار بطبيعتها عابرة للمكان والزمان..
وإذا ما أردنا الوقوف على أفكار وآراء الفيلسوف الهولندي اسبينوزا، فلن يتسنى لنا ذلك إلا من خلال ثلاثة كتب هي أهم مؤلفاته.. الأول: كتابه: رسالة في إصلاح العقل.. والثاني: كتابه الأخلاق.. والثالث: كتابه رسالة في اللاهوت السياسي.
* ففي كتابه الأول: رسالة في إصلاح العقل، سنرى كيف أنه جعل للمعرفة عدة مستويات تصل في النهاية إلي درجة اليقين، فهو يرى أن للمعرفة درجات ليست كلها على مستوى واحد من اليقين. ففي أدنى الدرجات توجد معرفة استقرائية، يحصلها الفكر من إدراك الجزئيات بطريق الحواس، وهي معرفة مهلهلة لا ترقى إلى اليقين.
وتليها في درجة أعلى معرفة استنتاجية تستخلص حالة جزئية من حالة كلية، وهي وإن كانت يقينية، غير أنها لا ترابط بين أجزائها. ثم تليها في أعلى الدرجات معرفة عقلية حدسية، تدرك ماهية الشيء، أو علته القريبة إدراكًا كليًا خاطفًا، وتدرك معها كل ما يترتب عليها، ولهذا كانت يقينية، لأن موضوعاتها أفكار واضحة ومحددة.. وهذا النوع من المعرفة يعتبره اسبينوزا القاعدة الرئيسية التي منها انطلقت رؤيته للحقائق.
* وفي كتابه الثاني: الأخلاق، يرى اسبينوزا أن الجانب الإيجابي في أفعالنا وحده خير، وأن الجانب السلبي وحده شر. والكامل الوحيد هو الله، وهو خير كله. لهذا كانت الأفعال الآثمة ليست من الله، بل هي من الإنسان، والإنسان الحر ذو الأفكار الواضحة، هو الذي يرى الخير فيما يتجاوز مقدرته على الفعل، والإنسان السلبي ذو الأفكار الغامضة هو الذي يرى الخير مرتبطًا بتحقيق رغباته.
وهذا يجعل الإنسان الخيّر هو الذي يطلب الخير للآخرين، ويسعى إلى أن يكونوا أحرارًا مثله، فلا يعاملهم بالكراهية والنفور.
* وفي كتابه الثالث: رسالة في اللاهوت السياسي.. وهو كتاب يتخطى حالة موطنه هولندا في زمانه، لتطال أفكاره أرجاء واسعة من أوروبا، ويتخطى الكتاب أيضا المرحلة الزمنية التى خرج فيها للنور، النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي، ليصل إلينا في عصرنا هذا، وفي منطقتنا الشرق العربي، عسانا نستلهم من أفكاره ما هو مناسب لنا، في مواجهة التطرف الديني الذي يستهدف بقاء الدول واستقرارها.
إن كتاب اسبينوزا: رسالة في اللاهوت السياسي قد وضع مشرط الجراح في مكانه الصحيح من الداء، بغية اقتلاعه من الجسد. هذا الداء الذي تُبتلى به الأمم في مسيرها نحو النهوض، هو ذاك الصراع الذي يتخطى حدود المسيحية في دول أوروبا، ليطال الإسلام والأرثوذكسية في الشرق، لذا كانت وقفتنا معه بتؤدة وتأني حتي نستلهم من أفكاره ما يناسبنا ويصلح لنا..
وأما كتابه: رسالة في اللاهوت السياسي، فقد توجه فيه إلي نقد التوراة من منظور عقلاني يباعد الخرافة كليًا، وتوجه أيضا لنقد السياسة التي تستمد شرعيتها من خلال الانتماء الديني، أي أن تكون الدولة ذات وجهة دينية عقدية، وقد رأى اسبينوزا أن الاعتقاد الديني لا يقتصر علي كونه نظرية في الله فقط، بل يؤدي إلى نظام اجتماعي.
كذلك العقائد الدينية ليست عقائد خالصة، بل تؤدي إلى إقامة نظام سياسي. ومن هنا كانت حرية العقيدة مرتبطة بالحرية السياسية، لهذا لا يجوز أن تحتكر الدولة الفكر، وليس لها أن تحجر علي حرية الفكر والاعتقاد، أو أن تنحاز لتوجه فئة دينية علي حساب فئة دينية أخرى، فمجال الاعتقاد الديني فيه تكثر الاتجاهات المختلفة إلى حد تكفير كل واحدة منها الأخرى..
فالناس لا يجتمعون علي رأي واحد حتي داخل الدين الواحد، من هنا يقف اسبينوزا بحسم ويقول: ولهذا لا يحق للدولة الانتساب إلى دين معين، ولا بد لها من أن تكون علمانية.
وفي كتاب اسبينوزا: رسالة في اللاهوت السياسي، نجده خاض بجرأة في عناوين ذات طابع حساس، قد تجنب الدخول فيها ديكارت قبله بأربعين عامًا، تحاشيًا للصدام مع رجال الدين، رغم أن اسبينوزا محسوب في التوجه الفكري علي اتجاه مدرسة ديكارت، والتي ضمت آخرين تتلمذوا علي أفكارها أمثال، لايبنتز (1646-1716)، والأب مالبرانش (1638-1715).
بيد أن اسبينوزا نراه في كتابه: رسالة في اللاهوت السياسي، قد تخطى الخطوط الحمراء لمدرسة ديكارت، وفي هذا يقول الفيلسوف الفرنسي فريدنان الكييه: من المعلوم أن ديكارت كان حريصًا على الفصل الكامل بين مجالين للحقيقة، مجال الكتابات المقدسة التي تؤدي إلى نجاة أرواحنا في الدار الآخرة، ومجال الطبيعة الفيزيائية.
وهنا يمكننا أن ندرس الظواهر بطريقة علمية من أجل التحكم بالطبيعة وتسخيرها لمصلحة الإنسان. وبحسب ديكارت فإن هذين المجالين إذا كانا منفصلين عن بعضهما البعض إلا أنهما ليسا متعارضين أبدًا.
على هذا النحو تحاشى ديكارت بكل مكر ودهاء غضب اللاهوتيين الذين كانوا ينتظرونه على قارعة الطريق لكي يبطشوا به إذا ما تعرض للدين، وحاول تطبيق منهجيته العقلانية عليه.
لكن اسبينوزا جعل الفصل بين الفلسفة العقلية والدين، جعله لصالح حرية العقل في نقد ما يراه مخالفا له، حتى وإن كان ما ينتقده العقل في أعلى درجات من القداسة، فصيانة العقل المتدبر عنده أهم من الإيمان الذي يستند لخرافات لا يقبلها العقل.
وكان سبيله في ذلك فصل الإيمان عن حرية حركة العقل، من دون أن يعتدي أحدهما على الآخر، فهو يقول: اقتناعي العميق هو أن الكتابات المقدسة (أي التوراة والإنجيل) لا علاقة لها بالفلسفة على الإطلاق. وإنما كل واحد منهما ينحصر في مجاله الخاص بالذات. فالتعاليم التي تخص الروحانيات نستمدها من الكتابات المقدسة فقط وليس من تعاليم النور الطبيعي، أي العقل.
وبالتالي فالمعرفة القائمة على الوحي تتمايز كليًا عن المعرفة الطبيعية أو العقلانية سواء فيما يخص موضوعها أم مبادئها الأساسية أم وسائلها ومنهجيتها. نستخلص من كل ذلك ما يلي: بما أن هذين النمطين من المعرفة مختلفان كليًا فإنه يمكن لكل واحدة منهما أن تمارس فعلها داخل مجالها الخاص دون أن تتناقض مع المعرفة الأخرى أو تدخل في معركة معها..
وإلي أن نلتقي في رحلة أخرى مع علم من أعلام الفكر والتنوير ممن قدموا أعمالا تركت أثرها البالغ على الفكر الإنسان.