رئيس التحرير
عصام كامل

رحلة مع الفيلسوف الهولندي اسبينوزا (1)

18 حجم الخط

هو الفيلسوف الهولندي باروخ دي اسبينوزا (1632 ـ 1677) تعود جذور نشأته لأسرة يهودية أندلسية الأصل، وقد هاجرت أسرته ضمن حملة هجرة اليهود بعد سقوط آخر معاقل العرب بالأندلس (غرناطة/ 1492م) إثر استيلاء ملوك غرب أوروبا الكاثوليك علي حكم الأندلس، وما استتبع ذلك من إجراءات تعسفية قام بها هؤلاء الملوك.. 

كان أهمها مرسوم  الحمراء أو قرار الطرد الذي أصدره الملك الكاثوليكي فريناند في مارس من عام 1492، والذي ينص علي طرد اليهود من الأندلس، وإنشاء محاكم التفتيش تلك التى ذبحت وسفكت دماء المخالفين في العقيدة.

ومنهم اليهود الذين اعتبروا آنذاك أن نهاية حكم العرب في الأندلس، هي نهاية عهد التعايش السلمي الذي نعموا به عدة قرون، يوم كان العرب فيها يحكمون الأندلس.


نعم، هاجرت أسرة اسبينوزا مع من هاجروا فرارا من محاكم التفتيش، وحط بهم الرحال في هولندا، وكونه من أسرة يهودية فقد تعلم في مراحله الأولى بمدرسة عبرية، وانتقل في مرحلة لاحقة للتعلم في المدرسة الإكليركية في بيريرا. وكان والده يهتم بتعليمه، فدفعه لتعلم عدة لغات لما شام النبوغ في ابنه.

 

وواصل اسبينوزا رحلة تعلمه حتى وصل لإجادة اللغة الإسبانية، والبرتغالية، والعبرية. ولم يوقفه نهمه في طلب العلم عند حد معين، فدخل مضمار الثقافة من أوسع أبوابها، وبدأها بثقافة عصره التى كانت سائدة -الثقافة الغربية-، تلك التي تُولي التراث القديم أهمية قصوى (اليوناني واللاتيني المسيحي). ودرس اسبينوزا أيضا الرياضيات والطبيعيات وألم بالكثير من مبادئ الطب.

 

ولما شب به الطوق، وتعمق في الاستزادة من المعرفة، بدأ يبتعد كثيرا عن وسطه الديني الذي كان  يقيد نشاطه العقلي، وما في ذلك من أثر سلبي علي طريقة تناوله للحقائق، فوجد نفسه يتوجه بعنف صوب دراسة كتب رواد النهضة أمثال: عالم الرياضيات والفيلسوف البولندي نيكولاس كوبرنيكوس (1473- 1543).. وعالِم الفلك والفيلسوف الإيطالي غاليليو غاليلي (1564 - 1642).. 

والفيلسوف اللاهوتي الإيطالي برونو دي نولا (1548 ـ 1600).. لينتقل بعد نضوجه العلمي إلى مرحلة أخرى فيها العكوف بالدراسة علي مؤلفات الفيلسوف والكاتب الإنجليزي فرانسيس بيكون  (1561 - 1626) والفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596 - 1650) وآخرين.

 

وقد أدى إنخراطه في دراسة الفلسفة، وعزوفه عن الطقوس الدينية، أدي إلي نقمة وغضب الكنيسة اليهودية علي مسلكه هذا، الأمر الذى دفع الحاخامات لإصدار فتوى ضده سنة 1656، سببت له تلك الفتوى الحرمان من الإرث العائلي، فعانى مرارة فقدانه مورد للعيش، الأمر الذي دفعه إلى امتهان حرفة "نظاراتي".


وفي خضم تلك الظروف المضطربة، ألف سبينوزا كتابه “رسالة موجزة في الله والإنسان وسعادته” وضاقت به الأمور واشتدت عليه المحن، فارتحل إلى مدينة رينسبورغ وهناك شرع في تأليف كتابه "رسالة في إصلاح العقل".

 

واتخذ الفيلسوف باروخ سبينوزا منهجا علميًا، جعله أحد أهم رواد التغيير في تاريخ النهضة الأوروبية، إذ أمعن النظر في الكتاب المقدس من خلال رؤية عقلية نقدية، محاولا تلمس أفضل السبل في التفرقة بين المعرفة والإيمان، لكنه لم يوفق، بيد أنه استطاع النجاح، بل وفاق فلاسفة زمانه في وضع الحقائق المعرفية التي استقرت عبر الزمان ثباتا.. 

وضعها مرة أخرى قيد المراجعة النقدية للتأكد من ثبات الحقائق رغم تغير الزمان، فقد كان سبينوزا من أوائل الفلاسفة الذين فتحوا الباب علي مصرعيه للعقل ليتفحص الأمور حتي الغيبية منها.

 

نعم كان اسبينوزا حالة فلسفية فريدة من نوعها ظهرت في منتصف القرن السابع عشر، وأطلق شرارة التنوير قبل مئة عام من ظهور فولتير، وديدرو، وروسو، وكانط وسواهم من رواد فلسفة التنوير.


وطوال هذه الرحلة الفلسفية لم يغب عن بال سبينوزا هدفه الذي وضعه نصب عينيه ألا وهو: الكشف عن مغزى حياة الإنسان ومكانه في العالم، وما يستلزم ذلك من التعرف علي طبيعة العالم -فوجد الفيلسوف باروخ اسبينوزا أن ذلك يعوزه الإمعان والاستزادة في تحصيل العلوم والمعارف بشكل موسوعي، كي ينطلق عقله ليحلق في فضاء الفكر الواسع، بغية الوصول للفهم الصحيح للأشياء من دون الوقوع في الخطأ.

 

وكان نبراسه الذي حذا حذوه في هذا المضمار، الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت، بل إنه تعداه وتجاوزه في نظرية الشك التى اعتمدها ديكارت قاعدة في اختبار وتمحيص الحقائق، وأوجد سيبنوزا ما هو أبعد من ذلك، في نظريته مراجعة الثوابت ونقدها من دون الشك في صحتها، ذلك لأنه رأى أن الحقائق لا تتبدى كاملة في بعض الأحيان في طورها الأول إلا بمرور الزمن عليها، لذا قد يتبدى جزء من الحقيقة قبل اكتمالها، وبتربص بقاء هذا الجزء مدة من الزمن، قد تكتمل لدينا حقيقة كاملة عنه.

 

ورغم أن عمر اسبينوزا الذي قضاه في الحياة لم يكن طويلا، إذ لم يجاوز أربعا وأربعين عاما، إلا أنه كان كما الخزان الكبير الممتلئ عن آخره بشتى صنوف المعرفة والعلوم، حتى إنه فاض من غزارتها علي مجتمعه الغربي، فأحدث ذلك فيه تغييرًا كبيرًا.. 

كان له أثره في حركة النهضة الأوروبية، وقد ترك لنا اسبينوزا أعمالا هامة في حياتنا الفكرية والثقافية، ما بين الكتب والرسائل، والخطابات التى رصدت الكثير من القضايا بالنقد والتحليل، تلك التي أسهمت في طرح فكر التنوير بصيغته المتزنة.

 

ويجدر الإشارة هنا، إلى أنه لم تكن مؤلفات اسبينوزا بالكثرة العددية رغم ثقل وزنه العلمي، لكن مؤلفاته وكتاباته علي قلتها رسمت ملامح متكاملة لمنهج التغيير التنويري، وغطت مساحة كبيرة استطاعت أن تلبي حاجة النهوض بالفكر الإنساني، فضلا عن أن كتاباته حوت آراءً أضافت إلي الفكر الفلسفي وإلي يومنا هذا..

وخاصة آخر كتبه «الأخلاق» والذي تم نشره بعد وفاته، وكان أول كتب اسبينوزا «مبادئ الفلسفة الديكارتية».. وتوالت كتاباته، فألف الرسالة اللاهوتية ـ السياسية 1670 م... ورسالة في الله وفى الإنسان 1660 م.. ورسالة في إصلاح العقل.. والرسالة السياسية سنة 1675 م. وهذه الرسالة كتاب عام في السياسة العقليه والفكر السياسي.. وكتاب تم جمعه بعد وفاته يتضمن رسائله باسم الخطابات.

وكتابه الذي ذاع صيته، وهو الأشهر في مؤلفاته «رسالة في اللاهوت السياسي» والذي تناول فيه إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة، وكذا العلاقة بين المؤسسة الدينية والدولة، وتطرق في هذا الكتاب أيضا ضمن محاوره الهامة إلي العلاقة بين العقل والإيمان.. 

وكذا العلاقة بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، وفيه يقف اسبينوزا بالبراهين ليثبت أن الفكر الفلسفي ليس خطرًا على الدولة، أو على الإيمان، وأن الحرية الفكرية والدينية ضرورية في بقاء الدولة متماسكة. 
وإلى الحلقة الثانية في رحلتنا مع الفيلسوف الهولندي اسبينوزا (1632 – 1677)

الجريدة الرسمية