فيتو
رئيس التحرير
عصام كامل

في حضرة الزهد، الكنيسة تحيي ذكرى القديس الأنبا بفنوتيوس الأسقف

الكنيسة الأرثوذكسية،
الكنيسة الأرثوذكسية، فيتو

تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية بطريرك الكرازة المرقسية، ذكرى نياحة القديس الأنبا بفنوتيوس الأسقف، أحد الآباء الذين سطروا بسيرتهم صفحات مضيئة في تاريخ الرهبنة والنسك والتجرد الكامل.

بدأت رحلة القديس بفنوتيوس في برية القديس مقاريوس الكبير، حيث ترهب هناك وأجهد نفسه في العبادة والنسك، حتى صار مثالًا حيًّا للرهبان في حياة الزهد والتقشف. عاش سنوات طويلة لا يأكل إلا البقول الناشفة، وتعلم في البرية القراءة والكتابة وقوانين الكنيسة، جامعًا بين النسك والمعرفة الروحية والكنسية.

رُسم قسًا، لكنه آثر البقاء في البرية، فمكث فيها خمسًا وثلاثين سنة كاملة، انصرف خلالها إلى الصلاة والصمت والجهاد الروحي. ومع ذيوع فضائله وسيرته العطرة، استدعاه البابا البابا فيلوثاؤس الثالث والستون من باباوات الإسكندرية، ورسمه أسقفًا لما رآه فيه من استحقاق روحي نادر.

وعلى الرغم من انتقاله إلى خدمة الأسقفية، لم تتغير ملامح حياته النسكية. فكان لا يغيّر ملابسه إلا يوم الاحتفال برفع القرابين، وفي بقية الأيام كان يرتدي ملابس من شعر، واستمر في جهاده الروحي حتى نحل جسده من شدة النسك. وحين ألمّ به المرض، صلى قائلًا: «يا ربي يسوع المسيح، لأجل الأسقفية لا تنزع عني نعمتك». فظهر له ملاك الرب معزيًا، ومذكرًا إياه أن الله كان يعضده في البرية حيث لم يكن هناك من يهتم به، أما الآن فقد صار حوله من يرعاه ويوفر له ما يحتاجه.

قضى هذا الأب القديس في خدمة الأسقفية اثنتين وثلاثين سنة، ظل خلالها أمينًا على رسالته، زاهدًا في كل ما حوله، منشغلًا فقط بخلاص النفوس وخدمة الكنيسة.

وعندما اقتربت ساعة رحيله، استدعى الكهنة والشمامسة وسلمهم أواني الكنيسة وقال لهم كلمات خالدة تعبّر عن أمانته ونقاوة ضميره: «اعلموا أنني ذاهب إلى السيد المسيح، وقد سرت بينكم كما تعلمون. والسيد المسيح الذي أنا مزمع أن أقف أمامه يشهد عليّ أنني ما أخفيت درهمًا واحدًا من كل ما كان يصل إليّ من الأسقفية».

ثم باركهم جميعًا، وأسلم الروح بسلام، تاركًا وراءه سيرة تفيض بالنقاء والصدق والزهد، لتبقى ذكراه شاهدًا على نموذج نادر للأسقف الراهب الذي جمع بين الخدمة والرهبنة، وبين المسؤولية والتجرد الكامل.