بالوعي والتشريع نكسر حلقة الفساد
هل يمكن أن نسقط دولة تفتيح الدماغ؟
لم يعد مجديًا أن نتعامل مع ظاهرة الفساد المتجذر، بشقيه المحلي والمستورد، بأسلوب المواعظ الأخلاقية أو الشعارات الإدارية الباهتة. في المحروسة التى تبحث بضراوة عن جذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتنهض بمشروعات بنية تحتية عملاقة، يتحول الفساد من مجرد انحراف سلوكي إلى ضريبة خفية ترفع تكلفة المشروعات، وتطرد المستثمر الجاد، وتثقل كاهل الموازنة العامة بالديون.
إن المعركة الحقيقية لإنقاذ الاقتصاد تتطلب تدخلًا جراحيًا يرتكز على تطبيقات عملية وقانونية صارمة، مستلهمة من تجارب دول كانت تقبع في مستنقعات فساد مشابهة لواقعنا المرير، ونجحت (أو ما زالت تحاول) في العبور إلى بر النزاهة والشفافية.
فى رأيى أن هناك خمسة محاور لمكافحة الفساد المتجذر- مستوحاة من التجارب العملية لدول شبيهة بنا - يمكن اعتبارها خارطة طريق عملية يجب تكييفها وإسقاطها على واقعنا المحلي:
خمسة محاور لمكافحة الفساد
أولًا: المقصلة الرقمية وتفكيك شفرة المناقصات الحكومية.. الفساد لا ينمو إلا في غرف مغلقة يغيب عنها الضوء، وأكبر بؤر الفساد في الدول النامية تتمركز في المشتريات والمناقصات الحكومية. وأول من سمعته يتحدث عن محاولات رقمنة المناقصات والعطاءات فى المحروسة كان وزير التنمية الإدارية الأسبق الدكتور أحمد درويش.
وبحسب درويش يجب الانتقال الفوري من المناقصات الورقية التي يسهل التلاعب بها وتفصيلها على مقاس شركات بعينها، إلى نظام المشتريات المفتوحة (Open Procurement).. والمثال الحي عالميا هو أوكرانيا، التي كانت تعاني من فساد بيروقراطي شبيه بما تعانيه مؤسساتنا، ولكنها طبقت نظامًا إلكترونيًا يُدعى “ProZorro”.
هذا النظام يجبر كافة الجهات الحكومية على طرح مشترياتها في مزاد إلكتروني علني يراه كل مواطن. إذا طبقنا هذا النظام في المحليات ووزارات الخدمات، بحيث تُنشر كراسات الشروط والعروض المالية الفائزة على منصة مفتوحة، فإننا نسحب صلاحيات إرساء العطاءات من أيدي الأفراد، ونلغي دور “مستر 10%” تمامًا.
علاوة على ذلك، يمكن أيضا الاستفادة من تجربة جورجيا في استخدام تكنولوجيا “البلوكشين” لتوثيق العقارات، وهو ما يمثل حلًا قاطعا وناجعا لإنهاء أزمات وتلاعبات الشهر العقاري وتأمين الملكيات بآليات يستحيل اختراقها أو رشوتها.
ثانيًا: حماية المبلغين وتحويل الواشي إلى بطل وشريك.. من أكبر العقبات التي تواجه مكافحة الفساد في مجتمعاتنا هي الثقافة التي تصف الموظف الذي يبلغ عن الفساد بأنه واشٍ أو خائن، مما يعرضه للتنكيل الإداري والفصل.
التشريعات التي تكتفي بحماية المُبلغ من النقل أو الرفد أثبتت فشلها المطلق، لأن الموظف لن يخاطر بمسيرته من أجل حماية نظرية لا تحدث. وهنا يكمن الحل العملي في استنساخ تشريعات المكافأة، مثل قانون (Qui Tam) الأمريكي.
يجب سن قانون مصري لا يكتفي بحماية المُبلّغ (Whistleblower)، بل يمنحه نسبة مالية قانونية (ولتكن 10%) من قيمة الأموال المنهوبة التي ساعد في استردادها لخزانة الدولة.
حينما يكتشف محاسب في وزارة أو مهندس في شركة مقاولات حكومية تلاعبًا بمليارات الجنيهات، ويدرك أن إبلاغه المدعوم بالمستندات سيجعله بطلًا قوميًا ويمنحه مكافأة تؤمن مستقبله بعيدًا عن انتقام شبكات الفساد، فإن النزاهة ستتحول من عبء أخلاقي خطير إلى مصلحة وطنية وشخصية. هذا القانون وحده كفيل بزرع رقيب ذاتي داخل كل مؤسسة.
ثالثًا: مواجهة فساد المشروعات الكبرى (استراتيجية غسيل السيارات).. عندما تضخ الدولة مليارات في مشاريع كبيرة، يظهر الفساد المؤسسي الذي يربط بين كبار المسؤولين وشركات المقاولات العملاقة (محلية كانت أو أجنبية).
وهنا يمكن الاتجاه إلى النموذج البرازيلي، حيث واجهت البرازيل والتي تتشابه اقتصاديًا واجتماعيًا مع المحروسة إلى حد بعيد أكبر شبكة فساد في تاريخها عبر عملية "غسيل السيارات" (Lava Jato)..
حيث تورطت شركة المقاولات العملاقة “أودبريشت” في دفع رشاوى ممنهجة لمسؤولين مقابل عقود حكومية مضخمة. الدرس المستفاد هنا هو ضرورة تفعيل الاستقلالية التامة لجهات التحقيق، وتطبيق قانون فترة التهدئة (Cooling-off Period) بصرامة.
يجب أن نمنع انتقال أي وزير أو مسؤول حكومي للعمل كـ “مستشار” لدى الشركات الخاصة أو الأجنبية التي كان يشرف على إرساء العطاءات لها إلا بعد مرور من ثلاث إلى خمس سنوات على الأقل، لقطع دابر التربح المستقبلي وإغلاق ما يُعرف بـ “الباب الدوار”.
رابعًا: الوعي الجمعي في مواجهة الفساد اليومي (بؤر المحليات).. ما يُعرف بـ فساد التجزئة أو الرشاوى الصغيرة في استخراج التراخيص وتخليص المعاملات يمثل سرطانًا ينهش في ثقة المواطن بالدولة، وتعد المحليات في مصر التجسيد الأبرز لهذه المعضلة.
وهنا يحضرني ما فعلته الهند، التي تشاركنا كثافة سكانية وبيروقراطية معقدة، حيث أطلقت منصة وتطبيق “أنا دفعت رشوة” (I Paid a Bribe). يسمح التطبيق للمواطنين بالإبلاغ المجهول أي دون الإفصاح عن شخص المبلغ عن تفاصيل الرشاوى (المكان، الإدارة، المبلغ المطلوب).
تقوم المنصة بتحليل هذه البيانات الكبيرة لرسم خرائط حرارية لبؤر الفساد. لو أُطلقت منصة مشابهة تابعة لجهة رقابية سيادية في مصر، ستمتلك الدولة لوحة تحكم دقيقة تكشف الإدارات والأحياء الأكثر فسادًا بالأرقام والشكاوى المتكررة، مما يتيح توجيه ضربات رقابية استباقية وتطهيرية بدقة جراحية، بدلًا من الاعتماد على الحملات العشوائية والتى عادة ما تكون معروفة مسبقا لموظفين المحليات.
خامسًا: تدمير أسطورة الشطارة بثورة الوعي.. لا يمكن لأي تشريع أن ينجح في بيئة تتصالح نفسيًا مع الجريمة. إن المصطلحات الشعبية مثل تفتيح الدماغ، النفحة، وتزييت التروس هي غطاء لغسيل الأموال الأخلاقي.
ولذا يجب تجريم هذه الممارسات ثقافيًا واجتماعيا قبل تجريمها قانونيًا. يبدأ ذلك من المدارس والجامعات؛ فلا ينبغي لطالب أن يتخرج دون دراسة مواد إلزامية في أخلاقيات الأعمال ومكافحة الفساد.
يجب أن يتم تدريس الكوارث العالمية مثل فضيحة شركة “إنرون” أو “سيمنز”، ليدركوا كيف أدى التلاعب المحاسبي والرشاوى إلى تدمير اقتصاديات وتشريد آلاف العمال. يجب أن يفهم الجيل الجديد أن تعيين شخص بالواسطة أو تمرير صفقة بالرشوة ليس شطارة، بل هو سرقة مباشرة لفرص العمل وتدمير لمستقبل العملة الوطنية.
إن المحروسة اليوم في أمس الحاجة إلى هذه الجراحة العاجلة؛ فكل جنيه يُنقذ من جيوب الفاسدين هو لبنة تُضاف في جدار التنمية الحقيقية، وكل خطوة نحو الشفافية هي رسالة طمأنة لمستثمر جاد يبحث عن بيئة عمل نظيفة وعادلة.