العمرة بالمال الحرام.. حين يرتدي الفساد عباءة الناسكين
تلقيت عددا من التعليقات من زملاء وأصدقاء كرد فعل على مقالتى السابقة هنا والمعنونة تعارض المصالح: السرطان الصامت فى جسد الدولة، يشيرون فيها إلى مظاهر أخرى عاصروها وعايشوها، توضح تجذر الفساد وتقبل المجتمع لأعراضه وظواهره بشكل درامى وغاية في التناقض، ومعبر عن التشوهات التى يعانى منها المجتمع وذلك حينما تصبح الرشوة "نفحة" ربانية.
أشار بعض الأصدقاء إلى تطور صور الرشوة لتصبح أكثر تعقيدًا وخبثًا، فهى لم تعد حزمة من الأوراق النقدية في مظروف مغلق، بل اتخذت لباسا روحانيًا يغسل عار الجريمة بماء التوبة الزائف، ومن أكثر الأمثلة إثارة للدهشة هي ما أسميه الرشوة المقدسة..
حين يتم تقديم رحلات العمرة أو الحج كهدية لمسؤول ما مقابل تسهيل معاملة أو تمرير قرار أو الموافقة على قرض من مؤسسة مالية. هنا، يقع المجتمع في فخ غسيل الأموال الأخلاقي؛ فالمعطي يرى في فعله برًا أو زكاة أو تقديرًا، والمتلقي يرى فيها رزقًا ساقَه الله إليه لأداء شعيرة دينية.
هذا الانفصال التام بين الوسيلة المحرمة والغاية المقدسة يعكس عمق الأزمة؛ فكيف يمكن لتعارض مصالح صريح أن يُغلف بالتقوى؟ إنها محاولة بائسة لشرعنة ما وصفته بـ "السرطان الصامت" عبر بوابة السماء.
المفارقة المبكية هنا هي غياب الإحساس بالتعارض التام بين وسيلة الفساد والغاية الدينية. يذهب المرتشي ليطوف بالكعبة ويسعى بين الصفا والمروة على نفقة الراشي، ولا يرى أي منهما غضاضة في ذلك.
بل إن البعض قد يدعو في الحرم لمن دفع تكاليف الرحلة، متناسيًا أن المال الذي مُول به هذا النسك هو مال سحت ناتج عن استغلال النفوذ والإضرار بالصالح العام وربما أكل حقوق الآخرين.
هذا الانفصام في الشخصية المجتمعية يعكس كيف تم ترويض الضمير الديني ليقبل ما كان يُعد من الكبائر، وكيف أصبحت العبادات مجرد غطاء لتمرير الصفقات المشبوهة وإراحة الضمائر المريضة.
أيضا واستكمالا لما أشرت إليه فى المقال السابق من مأساة الفهم الخاطئ من بعض رجال الدين (قصة إمام المسجد الذى كان يسعى لتعيين أحد رجال الشرطة فى مكان يمكنه من تلقى الرشاوى والأكراميات)، لفت نظرى أحد الأصدقاء لإندماج هذا الفهم عند بعضهم في فلسفة الضرورة.
حيث ينبري بعض المشتغلين بالدين لتبرير دفع الرشوة بحجة درء الضرر أو التخفيف منه، والذي قد يقع على صاحب الحق إذا لم يحصل على حقه إلا بها. وهنا يروجون لمبدأ أن الإثم على المرتشى لا الراشي، وبخاصة في حالات التعسف الإداري.
هذا التبرير، وإن بدا في ظاهره رحمة بالفرد، إلا أنه في جوهره شرعنة للفساد وتدمير للمنظومة الجماعية. إنه يجعل من الرشوة الخيار الأول والوحيد، بدلًا من النضال القانوني لاستعادة الحقوق، مما يؤدي في النهاية إلى هيكلية الفساد التي يصعب استئصالها لأنها باتت محمية بفتاوى شعبوية.
أننى أعتقد أنه إذا لم تقم قائمة المجتمع حال إكتشاف هذه المخالفات وأعطاء الأعلام مثل هذه القضايا حقها فى التغطية الأعلامية السلبية حتى يفهم الناس أن مثل هذه الممارسات الاجرامية هى اعتداء على القيم الدينية بالأضافه إلى الأعتداء على حقوق المجتمع.
فيجب على القضاء تغليظ العقوبات وعدم أخذ مرتكبيها بأى نوع من أنواع الرأفة حيث أنها أخطر وأكثر اجراما من الذين يسرقون ويرتكبون المعاصى داخل الحرم الشريف. إذا لم يحدث ذلك فكأن المجتمع يتغاضى عن الفساد وكأنه يعطى الأفراد نظارة سوداء اذا أرتدوها فأنهم يروا القبيح جميلا والناقص كاملا والذنوب فضائل والظلام نورا.
وحتى بعيدا عن الجانب الديني، هناك بعض الأكاديميين والمنظرين ممن يدعون بأنهم المثقفين البرجماتيين، والذين يضعون نظرية اقتصادية مشوهة للفساد. حيث يعتنقون فلسفة تزييت التروس ويروجون من خلالها لفكرة أن الرشوة هي الزيت الضروري لتشغيل ماكينة البيروقراطية الصدئة فى البلاد النامية.
يزعم هؤلاء أن الاقتصاد في الدول النامية يعاني من جمود القوانين وبطء الإجراءات، وأن الرشوة تعمل كمحفز للسرعة (Speed Money). وبدون هذا التزييت، قد تتكسر التروس ويتوقف الانتاج. والغريب أن بعض الشركات المتعددة الجنسية تضع ضمن مخصصاتها بند الرشوة والذى يطبق فقط فى البلاد الفقيرة. وهنا يظهر التناقض والتعارض جليا حيث أنهم يفعلون فى هذه الدول ما لا يجرأون على ممارسته فى بلدانهم الأصلية.
ولكن الرد الاقتصادي على مثل هذه الدعاوى هو أن هذا الزيت ليس إلا مادة كيمائية حمضية تأكل جسد الدولة. الرشوة لا تسرع العمل بل تخلق حوافز للموظفين لتعقيد الإجراءات عمدًا لابتزاز المزيد من الزيت. وكما ذكرت في المقال السابق عن مثال "المسؤول الذي يفيد ويستفيد"، فإن هذا المنطق يحول الوظيفة العامة إلى إقطاعية خاصة.
وهذا ما أعنيه بعملية تجذر الفساد في البنية الثقافية والنفسية للمجتمعات. إن أخطر ما يواجه أي أمة ليس وجود الفساد الإداري في حد ذاته، بل حالة التصالح النفسي معه، وإيجاد المبررات الدينية والفلسفية والاقتصادية التي تغسل ذنوب الفاسدين وتمنحهم صكوك الغفران.
أن الخطر الوجودي هنا هو الذى يحدث عندما يصبح الفساد هوية كما ذكرنا فى المقالة السابقة وحينما يلام الشخص إذا لم يستغل وظيفته لصالح "أهله وعشيرته". وإن تتحول المحسوبية إلى صلة رحم والرشوة إلى واجب اجتماعي. هذا هو أخطر مراحل الفساد.
إن عبارة "يا فلان أنت في مصر" المؤلمة لي شخصيا، هي صرخة اليأس التي تكرس فكرة أن الأخلاق نسبية جغرافيًا. وأن التشدد في النزاهة والبعد عن تعارض المصالح هو نوع من الانفصال عن الواقع!
فهل من سبيل للاستئصال؟ إن الفساد الذي يصبح هيكليًا ومحميًا بثقافة عامة لا يمكن مواجهته بالقوانين وحدها، بل بـ ثورة وعي تعيد تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية. الرشوة تظل رشوة وإن كانت رحلة حج. والمحسوبية تظل خيانة للأمانة وإن كانت صلة رحم. وتعطيل المصالح لابتزاز التزييت يظل سرقة وإن سميت شطارة.
أن هذه التشخيصات لهذا السرطان الصامت هو الخطوة الأولى للعلاج. فيجب زيادة وعي الناس بالمفاهيم الخاطئة والعمل على تصحيحها على كل المستويات. يجب أن نبدأ بدور الحضانة والمدارس والجامعات. يجب تشديد القوانين ومسح كل المناطق الرمادية بها والعمل بمواثيق أخلاقية في كل المؤسسات الخاصة قبل العامة.
فبدون استعادة الحيدة والنزاهة كقيم مطلقة لا تقبل التجزئة، سيظل جسد الدولة يئن تحت وطأة تروس متآكلة، تظن واهمة أنها تدور، بينما هي في الحقيقة تطحن مستقبل الأجيال القادمة.
