دلالة ذكر الله في القرآن الكريم
هي دعوة من الله لعباده، يحثهم فيها على ما يقرب وصالهم به سبحانه، ويحذرهم فيها مغبة نسيانه في حياتهم التي يعيشون، حين تطبق الغفلة على النفوس، فتضيع أعمار في لهو يورد الإنسان موارد الهلكة والضياع، إذ بدونه يكون الشقاء، والتخبط، والشرود قدرا محتومًا..
إنه الذْكُرُ (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ){الرعد: 28} ولِمَ لا وقد وردت مفردة الذكر على طول سياق القرآن الكريم بصيغها المختلفة، وفي مواضع عدة بنحو (242)..
وفي ذلك من دلالة على تعظيم ذكر الله تعالى، كونه يخلصنا من غفلة قد تنتابنا، ومن ثم تنسينا عظمة الله التي لا ينبغي لها أن تفارق قلوبنا وعقولنا.. ففي ذكره سبحانه وتعالى مجلبة للرضا والاطمئنان والقرب منه سبحانه، وفي الغفلة عن الذكر يكون السخط وانحدار النفس ناحية الميل للهوى والنزوات..
هذا وقد وردت كلمة (الذْكُرُ) في القرآن الكريم على عدة أوجه، حوت في مجملها مضمونا رصينا يتجلى فيه مراد الله نحوها..
* فأتت كلمة الذكر وهي تحمل قصد الطاعة والعمل الصالح كما في قوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ {البقرة: 152} أي عليكم ألا تنسوا طاعتي فيما أمرت كي أذكركم بخير.
* وأتت كلمة الذكر وهي تحمل معنى الحفظ درءًا للنسيان كما في قوله تعالى: ﴿ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ {البقرة:63} أي عليكم بحفظ ما في التوراة.
* وأتت كلمة الذكر وهي تحمل معنى توحيده سبحانه وتعالى وإفراده بالعبودية كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ﴾ {طه:124}
* وأتت كلمة الذكر وهي تحمل معنى الشرف كما في قوله تعالى: ﴿ لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ {الأنبياء:10} أي فيه شرفكم.
* وأتت كلمة الذكر وهي تحمل معنى التحذير والعظة والعبرة كما في قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ {الأنعام:44} أي فلما نسوا ما حذرناه منه ووعظناهم به.
* وأتت كلمة الذكر وهي تحمل معنى النبأ أو الخبر كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ {الكهف:83} أي سأتلو عليكم من نبأ ذي القرنين خبرا.
* وأتت كلمة الذكر وهي تحمل معنى الوحي كما في قوله تعالى: ﴿ أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ {ص:8} أي أُنزل عليه الوجي من بيننا.
* وأتت كلمة الذكر وهي تحمل معنى القرآن الكريم كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ {الحجر: 9} أي أن الله أنزل القرآن وتعهد بحفظه من التحريف والتبديل.
* وأتت كلمة الذكر وهي تحمل معنى البيان كما في قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ {ص:1} أي القرآن ذي البيان الساطع الناصع.
هذا ومن الذكر ما هو باللسان ذكرًا وتسبيحًا وحمدًا وتكبيرًا قال تعالى (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ) {الإنسان: 25}، وقوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ){الواقعة: 74}، وقوله تعالى: (قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) {العنكبوت: 63} وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ0 قُمْ فَأَنْذِرْ0 وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴾ {المدثر1 -3}
ومن الذكر ما هو قلبي تدبرًا وتفكرًا في جلال الله وعظمته قال تعالى: (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) {آل عمران: 191}.. ومنه تذكر الله حين الوقوع في الزلل والمعصية قَال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) {آل عمران: 135}
والذكر حين يكون ملازمًا لحياتنا تتحقق لنا النجاة بفضله من كل ضائقة، أو نازلة، قال تعالى ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ. إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ. فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ. فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ. فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ. لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ. فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ. وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ {الصافات: 139-146}.
وثمرة ذكر الله تكن في مغفرة الذنوب قال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ {الأحزاب 35}، وبالذكر ندرك الفلاح الأكبر والفوز، قال تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) {الجمعة: 10} وتتجلى فوائد الذكر في لحظات الحسوم قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ {الأنفال: 45}.
وقد حذَّر الله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم مغبة الإعراض عن ذكره، حين يكون الإعراض نتيجته ملازمة الشيطان لمن أعرض عن الذكر. قال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ {الزخرف: 36} كما تكون الغفلة عن ذكره سبحانه سببا في قسوة القلب، وسيره نحو الضلال.. قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أولئك في ضلال مبين﴾ {الزمر:22}..
وحين نتناسى ذكر الله تكون النتيجة نسيان النفس ضياعًا وهلاكًا.. قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ {الحشر: 19}أي احذروا أن تكونوا كمن تركوا طاعته فأنساهم أنفسهم- حين لم يقدموا لها ما ينفعها.
وفي الختام نقول: إن أهمية ذكر الله في حياتنا، وقيمته العليا، قد تجلت بوضوح وجلاء في أمر الله تعالى به، إذ قال تعالى في كتابه العزيز: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا) {آل عمران: 41} وقال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) {الكهف:24}، (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) {الإنسان: 25} (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) {الأعراف: 205}.
ليس هذا فحسب بل إن الله جعل ذكره سبحانه وتعالى سبيلا لرفع قيمة العبادة، حين جعل سبحانه الذكر أكبر من العبادة عظمة في القربى إليه سبحانه.. فقال تعالى: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ) {العنكبوت: 45} وجعل مقامه رفعة يلازم الصلاة فقال تعالى: (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) {طه: 14}.. اللهم اجعلنا من عبادك الذاكرين الشاكرين.