صدمة المعاشات
هي في الحقيقة صدمة كبيرة سببت ولا تزال ألما عميقا، وأصابت بالإحباط والحسرة قلوب وصدور أكثر من أربعين مليون مواطن مصري، يعولهم أحد عشر مليون ونصف المليون موظف خرجوا على المعاش فلا يكفيهم معاش يوفر الغذاء ولا الدواء ولا الماء ولا الكهرباء ولا الكساء.. ولا يحفظ كبرياء شيخوختهم ولا حياء مد اليد..
عفوا السيد الرئيس، إن كل القلوب تعشمت في قرار رئاسي منكم، يجبر الخواطر ويقيم الأود ويحفظ للشيوخ كرامة العيش.. أعلم أنه من الناحية القانونية لابد أن يتم تفعيل النص الدستوري الخاص بنسبة المعاشات وآلية تنفيذها بقرار جمهوري ينشر في الجريدة الرسمية، وهذا ما حدث أمس، في أول خبر بنشرة السادسة، فوقع التباس كبير، وفرح الناس، وظنوا أن الخمسة عشر في المائة التي وافقتم عليها كزيادة في المعاشات هي غير الخمسة عشرة في المائة المقررة سلفا ومعروفة في النص الدستوري..
وهكذا ظن القوم أن الزيادة ستكون 30٪ تعالج الحد الأدنى المتدني للغاية في المعاشات.. شخصيا ورغم خبرتي المهنية فرحت تلك الفرحة الكاذبة، ووقع فيها كثيرون مثلي. تأسيسا على مواقف شهامة سابقة من الرئاسة في إرضاء الناس وتطييب خواطرهم، وبخاصة ممن يعانون شظف العيش ممزقين بين وجع الحاجة ومكانتهم الاجتماعية..
ومن باب الموضوعية، لابد من القول إن الإخراج الإعلامي للقرار الجمهوري هو السبب الفاعل في إصابة الجموع بخيبة الأمل، فقد كان نشر الخبر بلهجة تبشيرية، وبثه بوصفه الخبر الأول، ثم قيام مذيع بزف النبأ كأنه فتح مالي كبير تقدمه الدولة لأصحاب المعاشات، كل هذا تسبب في موجة حزن ويأس يتسع نطاقها..
ما الجديد؟ هذا هو السؤال الذي ردده المحبطون، ولا يزالون.. لقد ظلت مواقع الأخبار وبرامج الرغي والسماجة تتاجر بخبر قديم معروف سلفا.. تتاجر بمشاعر أصحاب المعاشات لستة أشهر مضت، منذ قررت الدولة رفع الحد الأدنى لأجور العاملين..
من يومها وأصحاب المعاشات تنسموا وتوسموا خيرا.. إن معاش كثيرين لا يبلغ الثلاثة آلاف جنيه، والخمسة عشر في المائة الهزيلة هذه لا تطعمهم بضع ساعات.. بلا مبالغة، لن تغنيهم شيئا، بل لو كان المعاش حتى عشرة آلاف جنيه، فما زال غول الغلاء والبلاء وتوحش الحكومة على الناس يلتهم كل دواعي الطمأنينة والأمان المعيشي.
كم كتبنا، وكم دعونا، وكم عرضنا هنا على صفحات فيتو، كم كتب زملاء كبار ينبهون أن من العار أن تتفرج الدولة على شيوخها وهم يعانون العوز والحاجة، ثم تتنطع الجهات الرسمية، ويتمطع التليفزيون، عام وخاص، بطريقة الزفة البلدي ليعلن عن النقوط.. لأشباه المتوفين اجتماعيا.. نقوط لا يخجل مقدموه المتباهون. به من التباهي وهو حقير!
ربما تجد هذه الكلمات الصدر الحنون، ربما يعجل الرئيس بإنسانيّته المعهودة، بقرار يجبر الخواطر. بعيدا عن جمود التأمينات.. إن الأخيرة تلاعبت بمشاعر الناس عبر أخبار عن معالجات اكتوارية يترتب عليها ربما زيادات، وعاش المحتاجون على الأمل، إذ لا يعقل قط أن تهتم الدولة بعاملين وترمي على الأرصفة بضعة أرغفة لمن أفنوا أعمارهم لتكون هناك دولة وحكومة وبناء.. ثم يكون جزاؤهم الدفن أحياء!
