رئيس التحرير
عصام كامل

كيف تعيد الموازنة الدفاعية الأمريكية رسم مستقبل الشرق الأوسط؟

18 حجم الخط

طالبت الإدارة الأمريكية مؤخرًا بتخصيص نحو 1.5 تريليون دولار لميزانية الدفاع، وهو الأمر الذي لا يعد مجرد إجراء مالي اعتيادي أو زيادة دورية في الإنفاق العسكري، بل جاء بمثابة إعلان سياسي واستراتيجي يعكس طبيعة المرحلة التي تدخلها الولايات المتحدة والعالم معًا. 

فالمبلغ المقترح لا يمثل فقط أكبر ميزانية دفاعية في التاريخ الأمريكي، بل يكشف عن إدراك متزايد داخل دوائر صنع القرار في واشنطن بأن البيئة الأمنية الدولية تشهد تحولات عميقة قد تعيد تشكيل موازين القوى العالمية خلال العقود المقبلة.


لكن المفارقة أن هذه الزيادة التاريخية تأتي في الوقت الذي تواجه فيه الولايات المتحدة واحدة من أكثر أزماتها المالية تعقيدًا منذ الحرب العالمية الثانية، حيث يقترب الدين العام من مستويات غير مسبوقة، فيما تجاوزت فوائد خدمة هذا الدين تريليون دولار سنويًا. 

 

وهكذا تجد واشنطن نفسها أمام معضلة استراتيجية كلاسيكية: كيف يمكن الحفاظ على التفوق العسكري العالمي في وقت تتآكل فيه الأسس المالية التي قامت عليها هذه الهيمنة؟ فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتي تمتعت الولايات المتحدة بلحظة أحادية القطب سمحت لها بتوجيه مواردها العسكرية نحو إدارة الأزمات الإقليمية ومكافحة الإرهاب، غير أن العقد الأخير شهد عودة المنافسة بين القوى الكبرى باعتبارها المحرك الرئيسي للاستراتيجية الأمريكية.


وفي قلب هذه التحولات تقف الصين التي لم تعد مجرد قوة اقتصادية صاعدة، بل أصبحت منافسًا استراتيجيًا يمتلك طموحًا واضحًا لإعادة تشكيل النظام الدولي وتقليص التفوق الأمريكي في آسيا والمحيط الهادئ. فالتقديرات العسكرية الأمريكية تشير إلى أن أي مواجهة مستقبلية حول تايوان ستكون أكثر الحروب تكلفة وتعقيدًا منذ الحرب العالمية الثانية، خاصة مع التطور الكبير الذي حققته الصين في مجالات الصواريخ الدقيقة والقدرات البحرية والحرب الإلكترونية والفضائية.


وفي هذا الصدد تكشف المناورات والمحاكاة العسكرية التي أجرتها مراكز الدراسات الأمريكية أن القوات الأمريكية قد تواجه صعوبات حقيقية في الحفاظ على مخزونها من الذخائر الدقيقة خلال الأسابيع الأولى من أي صراع واسع النطاق، وهو ما دفع البنتاغون إلى المطالبة باستثمارات ضخمة لإعادة بناء القاعدة الصناعية العسكرية وتعزيز الجاهزية القتالية.


غير أن المشكلة لا تقتصر على الصين وحدها، فالحرب الروسية الأوكرانية أظهرت أن الصراعات الكبرى لم تعد احتمالًا نظريًا، بينما يشير تنامي التعاون بين روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية إلى ظهور نمط جديد من التنسيق بين القوى المناوئة للولايات المتحدة، بما يفرض على واشنطن الاستعداد لاحتمال مواجهة أزمات متزامنة في أكثر من مسرح عمليات.


وفيما يخص الشرق الأوسط، ففي الوقت الذي كانت فيه الإدارات الأمريكية المتعاقبة تتحدث عن "التحول نحو آسيا"، بدا أن المنطقة تتراجع تدريجيًا في سلم الأولويات الاستراتيجية الأمريكية. إلا أن أحداث السنوات الأخيرة أثبتت أن المنطقة ما زالت تمتلك قدرة استثنائية على فرض نفسها على جدول الأعمال الأمريكي. 

 

فالحرب في غزة، والتوترات المتصاعدة بين إسرائيل وإيران، والهجمات الحوثية على الملاحة الدولية في البحر الأحمر، والتهديدات المستمرة للممرات البحرية الحيوية، كلها أعادت الشرق الأوسط إلى قلب الحسابات الاستراتيجية الأمريكية. وهنا تكمن إحدى أهم دلالات الزيادة المقترحة في الإنفاق الدفاعي. 

فواشنطن لا تستعد فقط لردع الصين في المحيط الهادئ، بل تسعى في الوقت ذاته للحفاظ على قدرتها على إدارة الأزمات في أوروبا والشرق الأوسط دون التضحية بأي من التزاماتها العالمية. وبعبارة أخرى، فإن الولايات المتحدة لا تمول جيشًا لحرب واحدة، بل تحاول بناء قوة قادرة على خوض عدة مواجهات متزامنة في عالم يتجه نحو مزيد من الاضطراب وعدم اليقين.


وكعقدة جيوستراتيجية في قلب السياسة العالمية، يحتل الشرق الأوسط موقعًا استثنائيًا في التفكير الاستراتيجي الأمريكي لكون المنطقة تمثل نقطة التقاء بين الطاقة والتجارة والأمن الدولي، فالممرات البحرية الممتدة من الخليج العربي إلى مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس تمثل شرايين رئيسية للاقتصاد العالمي. وقد أثبتت أزمة البحر الأحمر أن اضطراب حركة الملاحة في أحد هذه الممرات قادر على رفع تكاليف النقل والتأمين والتجارة العالمية خلال فترة قصيرة.


ومن هذا المنطلق، فإن جزءًا مهمًا من الزيادة الدفاعية المقترحة يرتبط بالحفاظ على التفوق البحري الأمريكي وقدرته على حماية هذه الممرات الحيوية. وهو الأمر الذي يكتسب أهمية أكبر في ظل التوسع السريع للأسطول البحري الصيني، الذي تجاوز نظيره الأمريكي من حيث عدد القطع البحرية، مستفيدًا من قاعدة صناعية هائلة تسمح لبكين بإنتاج السفن بوتيرة تفوق القدرات الأمريكية الحالية. 

ولعل ذلك ما يفسر عودة قضية بناء السفن الحربية وتطوير الأساطيل البحرية إلى صدارة النقاش داخل البنتاجون، باعتبارها جزءًا من معركة أوسع تتعلق بالحفاظ على النفوذ الأمريكي العالمي.


بعبارة أخرى، لم يعد الشرق الأوسط مجرد ساحة صراعات إقليمية، بل تحول إلى إحدى ساحات المنافسة الكبرى بين واشنطن وبكين، فالصين أصبحت الشريك التجاري الأول لمعظم الاقتصادات الخليجية، كما توسعت استثماراتها في الموانئ والبنية التحتية والطاقة ضمن مبادرة الحزام والطريق.

 

وفي المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى هذه التحركات باعتبارها تحديًا طويل المدى لنفوذها التقليدي في المنطقة. ومن هنا يمكن فهم جانب من الزيادة الدفاعية الأمريكية بوصفه استثمارًا في الحفاظ على المكانة الجيوسياسية الأمريكية داخل الشرق الأوسط، وليس مجرد استجابة لتهديدات عسكرية مباشرة.


فالسيطرة على طرق التجارة والطاقة لا تقل أهمية عن امتلاك حاملات الطائرات أو الصواريخ المتطورة، لأن النفوذ الاقتصادي أصبح جزءًا لا يتجزأ من معادلة القوة الشاملة، وفي خضم هذا المشهد المعقد، تبدو إيران من أكثر الأطراف إدراكًا للقيود التي تواجهها القوة الأمريكية، فعلى الرغم من الفجوة الهائلة في القدرات العسكرية بين الطرفين، فإن الاستراتيجية الإيرانية لا تقوم على المواجهة المباشرة، بل على توزيع الضغوط عبر شبكة من الحلفاء والوكلاء في عدة ساحات إقليمية.

 

وتستند هذه المقاربة إلى فرضية مفادها أن الولايات المتحدة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع تركيز مواردها بالكامل في جبهة واحدة، وكلما ازدادت التزاماتها العالمية تراجعت قدرتها على الحسم السريع في أي صراع منفرد. 

ومن هذا المنظور، فإن الجدل الأمريكي حول زيادة الإنفاق العسكري يعكس بصورة غير مباشرة نجاح خصوم واشنطن في فرض معضلة التمدد الاستراتيجي عليها، وهي المعضلة التي واجهتها قوى عظمى عديدة عبر التاريخ.


في هذا الإطار، تمثل إسرائيل أحد أبرز العوامل المؤثرة في الحسابات العسكرية الأمريكية بالشرق الأوسط، فواشنطن تنظر إليها باعتبارها شريكًا استراتيجيًا متقدمًا يساهم في حفظ التوازن الإقليمي، لكنها في الوقت نفسه أصبحت بحاجة متزايدة إلى الدعم العسكري والتكنولوجي الأمريكي في ظل البيئة الأمنية المتغيرة. 

وقد أظهرت التطورات الأخيرة أن الدفاع عن إسرائيل لم يعد يقتصر على المساعدات العسكرية التقليدية، بل يشمل شبكات دفاع جوي وصاروخي متطورة وانتشارًا بحريًا أمريكيًا واسعًا وتعاونًا استخباراتيًا متزايدًا. 

لذلك، فمن المرجح أن يؤدي تضخم الموازنة الدفاعية الأمريكية إلى تسريع مشاريع التكامل الدفاعي الإقليمي التي تسعى واشنطن إلى بنائها بين إسرائيل وبعض الشركاء العرب، خاصة في مجالات الإنذار المبكر والدفاع الجوي ومواجهة الطائرات المسيّرة.


بجانب ذلك، ورغم كل المبررات الأمنية السابقة، فإن التحدي الحقيقي الذي يواجه الولايات المتحدة قد لا يكون الصين أو إيران أو روسيا، بل التناقض المتزايد بين طموحاتها العالمية وقدراتها المالية، فالتاريخ يبين أن القوى العظمى نادرًا ما تنهار نتيجة الهزيمة العسكرية المباشرة، بل غالبًا ما تتراجع عندما تصبح التزاماتها الخارجية أكبر من قدرتها الاقتصادية على تمويلها. 

وقد حدث ذلك للإمبراطورية البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية، كما كان أحد أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي في نهاية الحرب الباردة. فواشنطن اليوم تواجه الولايات المتحدة سؤالًا مشابهًا؛ هل تستطيع الاستمرار في تمويل شبكة تحالفات وقواعد عسكرية تمتد من أوروبا إلى شرق آسيا مرورًا بالشرق الأوسط، بينما يقترب الدين العام من مستويات قياسية وتتزايد كلفة خدمته بصورة مطردة؟

ومن شأن الإجابة عن هذا السؤال أن تحدد ليس فقط حجم الموازنة الدفاعية المقبلة، بل شكل الدور الأمريكي في العالم خلال العقود القادمة.

الغاية إن معركة الموازنة الدفاعية الأمريكية تكشف عن حقيقة أعمق من مجرد صراع حول الأرقام؛ إنها معركة تتعلق بمستقبل القوة الأمريكية نفسها. بينما تحاول واشنطن الاستعداد لعالم يشهد صعود الصين وعودة الصراعات الكبرى وتنامي التهديدات العابرة للحدود، فإنها تواجه في الوقت ذاته ضغوطًا مالية قد تحدد سقف قدرتها على الاستمرار في لعب دور الشرطي العالمي. 

وفي قلب هذه المعادلة يقف الشرق الأوسط باعتباره إحدى أكثر المناطق ارتباطًا بمستقبل النفوذ الأمريكي، فمصير التوازنات الإقليمية، ومستقبل العلاقة مع إيران وإسرائيل ودول الخليج، وحتى شكل المنافسة مع الصين، سيظل مرتبطًا بقدرة الولايات المتحدة على حل معضلتها الأساسية؛ كيف تحافظ على القوة دون أن تستنزفها كلفتها؟

الجريدة الرسمية