معركة ماجدو للقائد المصرى تحتمس الثالث
التاريخ لا يعيد ذاته.. لكن التاريخ يعيد تقديم الفرص والعبر والدروس.. فما أحوجنا اليوم لاستدعاء ما فيه الحكمة من حوادثه، عساها حكمته تكون مخرجًا لما نعانيه اليوم.. فمصر الحضارة والتاريخ، ومنذ فجر الدنيا وهي حاضرةٌ، لم تغب قط عن حوادث الزمان.. كما هي مصر الأبية الشامخة، لم تستسلم يومًا على طول صراعها مع قوى الشر والعدوان، لم تستسلم لإرادة سوى إرادتها الأبية..
وكلما حاولت مصر النهوض والقيام، استشاط المتربصون بها غضبا، فكان الصدام الذي دومًا ما كان يُفرض عليها.. لكنها أبدًا ما أتى عليها الجبابرة إلا وانتفضت وأزاحت من طريقها من يعيق ليس فقط سبيلها، بل أزاحت من أراد بالشرق خرابًا ودمارا..
وعلى درب عظات التاريخ، نتوقف معًا على حادثة، تعرضت لها مصر القديمة، يوم دشنت الدولة الحديثة آنذاك، بجيشها النظامي المُحكم، إبان الأسرة 18 (القرن السادس عشر قبل الميلاد) يوم تحولت مدينة قادش التي هي الآن -مدينة القصير السورية قرب مدينة حمص- تحولت لوكر تآمر على مصر آنذاك، يوم بدأت مصر تخط طريقها نحو التوسع والنهوض..
فهيا بنا نستلهم الدرس من التاريخ، لنتعرف على عظمة مصرنا فى ملحمة ماجدو، التي أسقطت فيها مصر وكر التآمر (حلف الحثيين والآسيويين والميتانيين بماجدو) في الشرق بقيادة البطل المصرى العربى تحتمس الثالث، أحد أهم ملوك الأسرة 18، حين انقض على أعدائه عام 1468 ق. م، يوم إختار تحتمس الهجوم عبر ممر ماجدو، فكانت المفاجأة الكبرى لأعدائه.. فاختل نظامهم وتفرقت صفوفهم، فحسم جيش مصر المعركة في نهار يوم غابت فيه شمس الهزيمة عن مصر وحل مكانها ليل بأضواء مشاعل النصر المبين.
القصة من بدايتها:
لم يكد تحتمس الثالث ينتهي من القضاء على عمته حتشبسوت ومن كان يواليها في حكم مصر، حتى بدأ يُجهز نفسه لتوطيد ملكه في آسيا، لأن النفوذ المصري كان قد بدأ يتدهور في سوريا، وبدأ بعض الزعماء هناك في الاستقلال بولاياتهم لمًّا وصلتهم أنباء مفادها أن الانقسام الداخلي في مصر قد بدت بوادره، من هنا كانت بداية التمرد على حكم مصر وبداية تجهيز حملة للهجوم على مصر..
وحسبما جاء ذكره عن تلك الملحمة -معركة ماجدو- على جدران معبد الكرنك، أتت قصة تلك الملحمة الرائعة، إذ أن تحتمس الثالث كان يصطحب معه في حملاته كُتابا يسجلون كل ما يحدث، وكان هذا بمثابة تدوين تفصيلي للحوادث الهامة والذي يمكن اعتباره بلغة العصر، أنه أول تقليد لعمل تقارير حربية مفصلة نسطيع أن نقارنها بتقارير المعارك الحربية الحدثية، وكان الأصل مكتوبا على ملفات البردي أو الجلد، ونقلوا بعض مقتطفات منها على جدران معبد الكرنك.
ونقرأ فى أخبار هذه الحملة، أنها كانت في العام الثاني والعشرين من حكم الملك القائد تحتمس الثالث، أي السنة الأولى من انفراده بالحكم، وأنه غادر حصن ثارو على مقربة من القنطرة في طريقه إلى فلسطين، فوصل إلى غزة بعد تسع أيام، وهذا سير سريع لجيش يقطع عباب الصحراء، في زمن لم يكن فيه وسائل نقل ميكانيكية، إذ أن المسافة تزيد عن 208 كيلو متر.
ولم يهدر تحتمس وقتا، وأخذ الأمر على محمل السرعة والحسم، لأنه كان يعلم أن الذين شقوا عصا الطاعة، قد حشدوا حشودهم وجمعوا جموعهم عند مدنية ماجدو، وكان إتحاد حلف التمرد من الحثيين والآسيويين والميتانيين تحت قيادة أمير قادش، فلما تقدمت الجموع إلى ممر ماجدو.. إعتبر تحتمس أن هذا اعتداء عليه وعلى حدوده، ولهذا هب مسرعا للدفاع عن حدود المملكة المصرية في آسيا.
ترك الجيش المصري غزة ووصل بعد ذلك إلى مدينة يُطلق عليها (يحم) بعد مسيرة أحد عشر يوما، لم يلق فيها الجيش المصري أي مقاومة، وفي تلك المدينة علم من عيونه التي أرسلها للاستطلاع والتقصي، أن الأعداء جمعوا جمعوهم في ممر ماجدو، وكانت تلك الجموع مؤلفه من 230 زعيما، من سوريا وفلسطين..
وكان أمام تحتمس ثلاث طرق، إثنان منهم يدوران حول سفح جبال الكرمل، والثالث طريق مباشر صعب المرتقى، ولكنه يوصل رأسا إلى ممر ماجدو فهو طريق ضيق محصور بين ممر من جبال الكرمل، ولايتسع لأكثر من عربة حربية واحدة..
وينعقد مجلس الحرب للتشاور في الأمر، ويترك القائد تحتمس الثالث لقواده حرية الرأي والاختيار، لكنه يختلف معهم ويختار ما يرى فيه تحقيق النصر الحاسم، فيقسم بحب رع وبفضل أبيه آمون أنه سيتقدم عن طريق (عورنا).
وسار تحتمس الثالث على رأس قواته، وإنتهى جيشه من مروره الذى استغرق يوما كاملا، دون أن يشعر الآسيويون بما كان يحدث فى ممر ـ عورنا ـ ثم تقدم بجيشه كله بعد اكتمال وصول مؤخرته نحو جنوب ماجدو، وكان تحتمس الثالث قد نظّم قواته للمعركة، بأن جعل للجيش قلبا وجناحين، كما أرسل أمام الجيش مقدمة، دفع منها وحدات استكشافية، كأحدث تعاليم الحرب الحديثة..
فضلا عن أن خطته، إنما كانت تنطوي على ثلاثة مبادئ هامة في الحروب وهي -المفاجأة والوقاية والقتال الهجومي- وعسكر المصريون عند مدخل وادى فينا، وفي فجر اليوم التالي هجم الجيش المصري على شكل نصف دائرة على ممر ماجدو..
ولم يلبث المدافعون، إذ ارتبكت حشودهم وتمزقت صفوفهم وولوا مدبرين عند بدء الهجوم، تاركين معسكرهم بما فيه وكل همهم، أن يدخلوا المدنية المحصنة في قادش، ويذكر لنا النص المصري بأنه لولا أن الجنود المصريين شغلوا أنفسهم بالغنائم التي بالمعسكر، لأمكنهم الاستيلاء على المدنية..
وقد كلفهم هذا الخطأ أنهم ظلوا سبعة شهور في حصارهم حتى استسلمت مدينة قادش استسلامًا تامًا، وقدم جميع من فيها من زعماء ولاءهم وخضوعهم للملك المصري تحتمس الثالث..
المجد والخلود لمصر الحضارة والتاريخ.. العلياء والسؤدد لشهدائها الأبرار.. العز والفخار لشعبها الأبي.
