رئيس التحرير
عصام كامل

صاحب النهضة الروحية والتعليمية، الكنيسة تحيي ذكرى نياحة البابا يوأنس التاسع عشر

الكنيسة الأرثوذكسية
الكنيسة الأرثوذكسية
18 حجم الخط

تحيي الكنيسة القبطية الأرثوذكسية برئاسة قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، اليوم ذكرى نياحة البابا يوأنس التاسع عشر، البطريرك الثالث عشر بعد المائة في سلسلة باباوات الكرسي المرقسي، والذي تنيح في 21 يونيو 1942 بعد مسيرة حافلة بالعطاء الروحي والوطني والكنسي.

وُلد البابا يوأنس التاسع عشر عام 1855 بقرية دير تاسا التابعة لمركز البداري بمحافظة أسيوط، ونشأ في بيت تقي أحب الفضيلة منذ صغره، فامتلأت نفسه بمحبة القديسين وسيرتهم، الأمر الذي قاده إلى دير السيدة العذراء بالبرموس بوادي النطرون حيث ترهب عام 1876، قبل أن يتدرج في الدرجات الكهنوتية بفضل ما عُرف عنه من تقوى وعلم وحسن تدبير.

وتولى رئاسة دير البرموس لسنوات شهدت نهضة واضحة في شؤونه، قبل أن يُرسم مطرانًا على البحيرة عام 1887، ثم أُسندت إليه رعاية إيبارشية المنوفية إلى جانب البحيرة، ليصبح واحدًا من أبرز القيادات الكنسية في عصره.

وخلال خدمته المطرانية، أولى اهتمامًا كبيرًا بالتعليم، فأنشأ مدرسة لاهوتية بالإسكندرية، وأوفد عددًا من طلابها لاستكمال دراساتهم اللاهوتية في الخارج، كما أسهم في تطوير المدارس المرقسية والارتقاء بمستواها التعليمي، إلى جانب دوره البارز في تنمية الأوقاف الكنسية وتحديث إدارتها.

وبفضل حكمته وسعة رؤيته، اختارته الدولة ممثلًا للأقباط في عدد من الهيئات والمجالس المهمة، من بينها مجلس شورى القوانين والجمعية العمومية ولجنة وضع الدستور، حيث عُرف بمواقفه الوطنية وإسهاماته في القضايا العامة.

وعقب نياحة البابا كيرلس الخامس عام 1927، تولى إدارة شؤون الكنيسة قائمًا مقام البطريرك، قبل أن يتم اختياره بالإجماع بطريركًا للكرازة المرقسية، حيث جرت مراسم رسامته في ديسمبر 1928 وسط احتفال رسمي وشعبي كبير حضره كبار رجال الدولة وممثلو الكنائس المختلفة.

وخلال فترة حبريته، واصل مسيرة البناء والتطوير، فأنشأ مدرسة لاهوتية عليا للرهبان في حلوان، واهتم بالعلاقات الكنسية مع إثيوبيا، حيث رسم مطرانًا وأربعة أساقفة للكنيسة الإثيوبية، وزار أديس أبابا دعمًا لوحدة الكنيستين القبطية والإثيوبية.

كما ارتبط اسمه بعمل الميرون المقدس مرتين، إحداهما للكنيسة القبطية والأخرى خصيصًا للكنيسة الإثيوبية، في خطوة عكست عمق الروابط الروحية والتاريخية بين الكنيستين.

وشهدت فترة رئاسته تحديات كبيرة، أبرزها الأزمة التي اندلعت إثر محاولة السلطات الإيطالية فصل الكنيسة الإثيوبية عن الكرسي الإسكندري، إلا أن البابا يوأنس التاسع عشر تمسك بوحدة الكنيسة ورفض الاعتراف بالانفصال، حتى عادت الكنيسة الإثيوبية إلى ارتباطها التاريخي بالكنيسة القبطية عقب انتهاء الاحتلال الإيطالي.

وبعد سنوات طويلة من الخدمة والعطاء، رحل البابا يوأنس التاسع عشر في 21 يونيو 1942، بعدما اطمأن إلى عودة الكنيسة الإثيوبية إلى أحضان أمها الكنيسة القبطية، تاركًا خلفه إرثًا كبيرًا من الإنجازات الروحية والتعليمية والوطنية، جعله واحدًا من أبرز بطاركة الكنيسة القبطية في العصر الحديث.

وتبقى ذكراه حاضرة في وجدان الكنيسة، باعتباره راعيًا حكيمًا وقائدًا مخلصًا كرّس حياته لخدمة الإيمان والإنسان والوطن.

الجريدة الرسمية