رئيس التحرير
عصام كامل

هل تدخل الولايات المتحدة حقبة جديدة من العنف السياسي؟.. مجلة ساينتيفيك أمريكان: التاريخ الأمريكي مليء بالصراعات وصعب الحديث عن انزلاق نحو صراع أهلي (صور)

عملاء الخدمة السرية
عملاء الخدمة السرية يراقبون المنطقة من سطح البيت الأبيض
18 حجم الخط

حرق متعمد على منزل حاكم ولاية بنسلفانيا جوش شابيرو، ومقتل رئيسة مجلس نواب ولاية منيسوتا ميليسا هورتمان وزوجها، واغتيال الناشط اليمين تشارلي كيرك، و8 محاولات -أو تزيد- لاغتيال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وإطلاق نار مساء السبت بالقرب من البيت الأبيض، على يد ناصر بيست، والذي وصف نفسه بـ"ابن الرب"، وغيرها من حوادث العنف التي دفعت مجلة علمية بحجم "ساينتيفيك أمريكان" للتساؤل عما إذا كانت الولايات المتحدة دخلت حقبة جديدة من العنف السياسي أم لا!

وبينما يرى البعض أن هذه التطورات تعكس تصاعدا خطيرا في ملف العنف السياسي، يؤكد باحثون أن فهمها يتطلب وضعها في سياق تاريخي أوسع وأكثر تعقيدا.

يقول مجلة "ساينتيفيك أمريكان" في تقرير: كشفت نتائج استطلاع للرأي أجراه مركز بيو للأبحاث عام 2025 بعد اغتيال كيرك، أن 85% من المشاركين يعتقدون أن العنف السياسي في الولايات المتحدة في تزايد، ويرجع ذلك إلى الخطاب الحزبي والاستقطاب و"عدم الرغبة" في التعامل مع أصحاب الآراء المختلفة. لكن بعض الباحثين يرون –في المقابل- أنه لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الهجمات تمثل حقبة جديدة من العنف السياسي أم لا. كما أن فهم دوافع هذه الهجمات يظل أمرا معقدا، ما يجعل دراسة هذه الاتجاهات صعبة، بحسب الخبراء.

حقيقة الانزلاق نحو صراع أهلي 

من جهته، يؤكد الباحث المتخصص في العنف السياسي في جامعة كنتاكي جوزيف يونج أن هذه الهجمات "مقلقة"، وقد تستدعي مراجعة أساليب حماية الرئيس، مشددا في الوقت ذاته على أن "هذا لا يشير إلى أن الولايات المتحدة ننزلق نحو صراع أهلي أو شيء من هذا القبيل".

تاريخ الولايات المتحدة مليء بأعمال العنف السياسي
تاريخ الولايات المتحدة مليء بأعمال العنف السياسي

بدوره، يقول الأستاذ المشارك المتخصص في العنف السياسي بجامعة دارتموث: من المزعج بالتأكيد رؤية محاولات الاغتيال التي حدثت خلال الـ18 شهرا الماضية، لكن في الوقت نفسه نحن في فترة تعد نسبيا هادئة من التاريخ الأمريكي. ولدينا قدر من قصر النظر عندما ننظر إلى العنف السياسي في هذا البلد.

تاريخ الولايات المتحدة مليء بالصراعات السياسية 

بحسب التقرير الذي نشرته "ساينتيفيك أمريكان"، فإن سلسلة من عمليات العنف السياسية البارزة التي شهدتها الولايات المتحدة على مدى الشهور القليلة الماضية ألقت الضوء على الانقسامات الحادة التي تشهدها أمريكا، لكنها لا تعني بالضرورة وجود ارتفاع واسع في العنف الدافع سياسيا، بحسب خبراء.

تقول "ساينتيفيك أمريكان" العلمية: تاريخ الولايات المتحدة مليء بأعمال العنف السياسي. فعلى سبيل المثال، خلال أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، جرى اغتيال عدة رؤساء مثل أبراهام لينكولن وجيمس جارفيلد وويليام ماكينلي. وشهدت ستينيات وسبعينيات القرن العشرين اغتيال جون كينيدي ومالكولم إكس ومارتن لوثر كينج وجونيور وروبرت كينيدي وهرفي ميلك وغيرهم، إضافة إلى مئات التفجيرات التي نفذتها جماعات سياسية متطرفة مثل منظمة الطقس تحت الأرض، وهي منظمة يسارية أمريكية متطرفة تأسست عام 1969؛ ونشأت كفصيل من حركة "طلاب من أجل مجتمع ديمقراطي" اليسارية.

تحديات دراسة العنف السياسي

يشير التقرير إلى أن عام 1970 وحده، شهد تسجيل أكثر من 120 "حادثة" عنف سياسي مثل الاعتداءات ومحاولات الاغتيال والتفجيرات، وفقا لمختبر أبحاث الاستقطاب بجامعة دارتموث. أما العام الماضي 2025 فقد سجل 10 حوادث فقط.

رئيسة مجلس نواب ولاية منيسوتا ميليسا هورتمان التي اغتيلت هي وزوجها
رئيسة مجلس نواب ولاية منيسوتا ميليسا هورتمان التي اغتيلت هي وزوجها

ويقول ويستوود: "ينبغي أن تكون لدينا مخاوف بشأن طريقة ممارسة السياسة في الولايات المتحدة، لكن سيكون من الخطأ الفادح القول استنادا إلى عدد محدود من الحوادث إننا دخلنا حقبة عنف جديدة. لا يمكننا الجزم بذلك؛ إن فترات العنف السياسي في التاريخ الأمريكي تتصاعد وتهبط، لكن من الصعب تحديد أسبابها بدقة".

صعوبة تتبع العنف السياسي 

بحسب مجلة "ساينتيفيك أمريكان" العلمية، فإن جزءا من صعوبة تتبع العنف السياسي يرجع إلى أن الدوافع ليست دائما واضحة، مضيفة: بعض من منفذي الهجمات في السنوات الأخيرة لم يقدموا تبريرات واضحة لأفعالهم؛ وذلك على النقيض من حوادث أخرى؛ حيث ترك منفذ الهجوم على عشاء مراسلي البيت الأبيض في 26 إبريل 2026، رسالة توضح خطة لاستهداف مسؤولين في إدارة ترامب؛ لكن هذه الحادثة كانت استثناء وليست قاعدة.

ويقول الباحث المتخصص في شؤون العنف السياسي توماس زيتزوف: "هناك عوامل خطر معروفة تؤثر في السلوك العنيف، لكن لا يوجد ملف شخصي محدد أو مسار واحد يؤدي إلى العنف السياسي؛ وكثير من الناس لديهم أفكار متطرفة، لكن قلة فقط من ينفذون العنف فعليا".

لماذا قد يبدو الوضع الحالي مختلفا؟

يرى الخبراء أن أحد أهم الفروقات بين اليوم والماضي هو "الظهور الإعلامي" الناتج عن وسائل التواصل الاجتماعي. فبعد مقتل كيرك، على سبيل المثال، انتشرت لقطات عالية الدقة للحادث وشاهدها الملايين عبر الإنترنت.

كما أن الخطاب السياسي أصبح أكثر حدة، ويصل إلى مستويات لم تر منذ ما قبل الحرب الأهلية، بحسب زيتزوف. لكنه يضيف أنه لا توجد أدلة قوية على أن هذا الخطاب زاد فعليا من دعم العنف.

شوهدت علامات الأدلة في مكان الحادث بعد استجابة الشرطة لبلاغات عن إطلاق نار بالقرب من البيت الأبيض
شوهدت علامات الأدلة في مكان الحادث بعد استجابة الشرطة لبلاغات عن إطلاق نار بالقرب من البيت الأبيض

وتظهر استطلاعات الرأي نتائج متباينة: ففي دراسة عام 2024، قال 22% من الديمقراطيين إنهم يعتبرون قتل الرئيس التنفيذي لشركة "يونايتد هيلث كير" برايان طومسون في 4 ديسمبر 2024  مقبولا إلى حد ما. لكن دراسة أخرى عام 2022 شملت نحو 5000 مشارك أظهرت أن حوالي 3% فقط يدعمون العنف الحزبي.

وفي الأيام التي تلت أول محاولة اغتيال لترامب عام 2024، أظهرت دراسة أن دعم العنف السياسي بين الجمهوريين انخفض بدلا من أن يرتفع، بحسب "ساينتيفيك أمريكان".

وبعد أي حادث عنف، يحاول الباحثون تتبع مسار تطرف المنفذ، لكن زيتزوف يقول إن هذا غير مثالي منهجيا لأنه يقتصر على من ارتكبوا الجريمة بالفعل، وهو ما يسمى "انحياز العينة".

ويقول ويستوود: رغم كل هذا، أنا نتفائل بصورة نسبية؛ لقد مررنا بفترات مضطربة جدا في تاريخنا. وسيكون من الخطأ القول إن حادثا أو سلسلة حوادث تعني نهاية الجمهورية؛ إذ إن الولايات المتحدة مرنة بشكل مدهش، وقد تجاوزنا ما هو أسوأ من ذلك، وسنتجاوز هذا أيضا.

الجريدة الرسمية