برؤية السيسي وشراكة بوتين..
مصر تتحول إلى قوة إقليمية للأمن الغذائي والتجارة اللوجستية
في لحظةٍ تتزايد فيها التحديات العالمية المرتبطة بالأمن الغذائي، وتتعرض فيها سلاسل الإمداد الدولية لاختبارات متكررة بسبب الأزمات الجيوسياسية والتقلبات الاقتصادية والمناخية، تتحرك الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي برؤية استراتيجية شاملة لا تقتصر على تأمين احتياجات المواطنين من السلع الأساسية، بل تمتد نحو بناء منظومة متكاملة ومستدامة للأمن الغذائي تجعل من مصر مركزًا إقليميًا ودوليًا لتجارة وتداول وتصنيع الحبوب والزيوت والسلع الغذائية.
وفي هذا الإطار، يأتي التحرك النشط الذي تقوده وزارة التموين والتجارة الداخلية بقيادة الدكتور شريف فاروق، والذي تجلّى بوضوح خلال مشاركته في المنتدى الروسي الخامس للحبوب بمدينة سوتشي، ليؤكد أن الدولة المصرية لم تعد تنظر إلى ملف استيراد القمح والحبوب باعتباره مجرد عملية شراء لتلبية الاحتياجات المحلية، وإنما باعتباره جزءًا من استراتيجية طويلة الأجل تستهدف بناء قوة لوجستية وغذائية متكاملة تخدم مصر والمنطقة بأسرها.
لقد نجحت الدولة خلال السنوات الماضية، بتوجيهات مباشرة من الرئيس السيسي، في إحداث طفرة غير مسبوقة في منظومة الصوامع الحديثة، بعدما كانت نسب الفاقد والهدر تمثل تحديًا كبيرًا لعقود طويلة.
واليوم، تتجه مصر إلى مرحلة أكثر تقدمًا، عبر دراسة إنشاء مركز عالمي متكامل للحبوب والزيوت الغذائية، يقوم على أحدث نظم التخزين والتداول والتصنيع وإعادة التصدير، مستفيدًا من الموقع الجغرافي الفريد لمصر، وشبكة الموانئ المتطورة، والبنية التحتية الحديثة، والطرق والمحاور اللوجستية العملاقة التي أنشأتها الدولة خلال السنوات الأخيرة.
هذه الرؤية الجديدة تعني أن مصر تتحول تدريجيًا من مجرد سوق مستورد للغذاء إلى محور إقليمي لإدارة تجارة الحبوب والسلع الغذائية في الشرق الأوسط وأفريقيا، بما يعزز من قدرة الدولة على تحقيق الأمن الغذائي المستدام، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وتأمين احتياجات السوق المحلي في مختلف الظروف العالمية.
ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على الحبوب فقط، بل تمتد أيضًا إلى تطوير منظومة الزيوت الغذائية وسلاسل التوزيع والتجارة الداخلية ونقاط البيع، بما يضمن وصول السلع بجودة عالية وأسعار عادلة إلى المواطنين، ويعزز من قدرة الدولة على ضبط الأسواق وتحقيق التوازن بين الإنتاج والاستيراد والتوزيع.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية التعاون المصري الروسي باعتباره أحد أهم محاور الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، خاصة في ظل المكانة العالمية التي تحتلها روسيا كأحد أكبر مصدري الحبوب في العالم، والخبرات المتقدمة التي تمتلكها في مجالات التخزين والتداول والتكنولوجيا الزراعية والرقابة الرقمية على حركة السلع.
وتسعى مصر للاستفادة من الخبرة الروسية في تطبيق نظم التتبع والرقابة الرقمية الحديثة “Track & Trace”، وهي النظم التي تسمح بتعقب المنتجات والسلع عبر جميع مراحل التداول، بدءًا من الإنتاج وحتى وصولها للمستهلك النهائي.
وتمثل هذه الخطوة نقلة نوعية في قدرة الدولة على مراقبة جودة المنتجات، والحد من التهريب والتلاعب، وضبط الأسواق بشكل أكثر كفاءة، فضلًا عن تعزيز الشفافية ورفع الحصيلة الضريبية من خلال دمج الاقتصاد غير الرسمي دون الحاجة إلى فرض أعباء ضريبية جديدة على المواطنين أو المستثمرين.
كما أن تطبيق هذه المنظومات الرقمية الحديثة يسهم في زيادة القدرة التنافسية للصادرات المصرية، خاصة مع تزايد اشتراطات التتبع والجودة في الأسواق العالمية، الأمر الذي يدعم خطط الدولة لزيادة الصادرات الغذائية والتوسع في النفاذ إلى الأسواق الدولية.
إن ما تشهده العلاقات المصرية الروسية اليوم من تنسيق وتعاون في مجالات الأمن الغذائي والتجارة والخدمات اللوجستية يعكس بوضوح الإرادة المشتركة بين الرئيس السيسي والرئيس بوتين نحو تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، بما يخدم المصالح المشتركة ويدعم استقرار المنطقة ويؤسس لنموذج جديد من التعاون الاقتصادي القائم على التكامل والمصالح المتبادلة.
وفي ظل هذه الرؤية، تبدو مصر اليوم أكثر استعدادًا لمواجهة تحديات المستقبل الغذائي، ليس فقط عبر تأمين الاحتياجات الحالية، وإنما من خلال بناء منظومة حديثة ومستدامة تجعل من الأمن الغذائي أحد أعمدة الأمن القومي والتنمية الشاملة للدولة المصرية.
