رئيس التحرير
عصام كامل

رؤية السيسي تنقذ تراث وسط البلد

القاهرة الخديوية تعود للحياة

18 حجم الخط

منطقة وسط البلد ليست مجرد مجموعة من الشوارع أو العمارات القديمة، بل هي ذاكرة القاهرة الحديثة وأحد أهم الكنوز المعمارية والسياحية التي امتلكتها مصر عبر أكثر من قرن. وقد سعد المصريون جميعًا بزيارة رئيس الوزراء رفقة محافظ القاهرة وعدد من الوزراء لهذه المنطقة التاريخية، في رسالة واضحة تؤكد اهتمام الدولة بإعادة الروح إلى قلب القاهرة الخديوية، التي كانت يومًا ما من أجمل وأرقى مناطق الشرق الأوسط.


في الماضي، كانت وسط البلد عنوانًا للرقي والثقافة والفن، حيث ضمت أشهر العمارات التاريخية ذات الطابع الفرنسي والإيطالي مثل عمارة يعقوبيان وعمارة الإيموبيليا، بالإضافة إلى عشرات المباني التراثية التي شُيدت قبل أكثر من مائة عام، وكانت تحفة معمارية تضاهي أشهر مباني باريس ومدريد وروما. 

 

كما احتضنت المنطقة أشهر دور السينما والمقاهي والمطاعم الراقية مثل مقهى ريش، وسكنها كبار الفنانين والمثقفين والسياسيين، لتصبح القلب الثقافي والحضاري لمصر.


ولم تكن وسط البلد مجرد منطقة سكنية، بل كانت مركزًا اقتصاديًا وسياحيًا وترفيهيًا متكاملًا، حيث كانت تعرض أحدث خطوط الموضة والأزياء العالمية بالتزامن مع العواصم الأوروبية، بل وفي بعض الأحيان قبلها، ما جعل القاهرة وقتها واحدة من أكثر المدن أناقة وحيوية في المنطقة.


لكن للأسف، تعرضت هذه المنطقة التاريخية لسنوات طويلة من الإهمال والتدهور نتيجة قرارات عشوائية وسياسات غير مدروسة، كان أبرزها قوانين الإيجار القديمة التي صدرت في ستينيات القرن الماضي، والتي جمدت القيمة الإيجارية وحولت عقود الإيجار إلى شبه أبدية. 

هذه القرارات، رغم أنها جاءت في ظروف اجتماعية معينة، أدت مع مرور الوقت إلى نتائج كارثية على التراث المعماري المصري.


فقد أصبح الملاك غير قادرين على تحمل تكاليف الصيانة والترميم، في الوقت الذي لم يكن فيه المستأجر ملزمًا بالمشاركة في الحفاظ على العقار، ما أدى تدريجيًا إلى انهيار كثير من المباني التاريخية وفقدانها لقيمتها الجمالية والمعمارية. 

 

وتحولت العديد من الشقق السكنية الراقية إلى مخازن وورش صناعية ومكاتب عشوائية، وفقدت المنطقة هويتها الأصلية، خاصة مع انتشار اللافتات العشوائية والإعلانات المضيئة المشوهة لواجهات العمارات التاريخية، في مشهد أساء كثيرًا إلى واحدة من أجمل مناطق القاهرة.


ولسنوات طويلة، بدا وكأن وسط البلد تُترك لمصيرها، حتى جاءت رؤية الدولة المصرية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي لإحياء القاهرة التاريخية وإعادة الاعتبار إلى التراث المصري. فقد شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة عمليات تطوير واسعة، شملت ترميم واجهات العمارات التاريخية، وإزالة التشوهات البصرية، وتحسين البنية التحتية، وإعادة الشكل الحضاري الذي فقدته المنطقة لعقود.


ولعل من أهم الأفكار التي تدرسها الدولة حاليًا، تحويل بعض شوارع وسط البلد إلى مناطق للمشاة فقط، وهي خطوة حضارية مطبقة في أهم المدن السياحية العالمية مثل باريس وبرشلونة وبراغ، حيث تمنح السائح فرصة للاستمتاع بالتجول بحرية بين المباني التاريخية والمقاهي والمتاجر والمعالم الثقافية.


كما أن وسط البلد تمتلك فرصة ذهبية لتصبح أحد أهم المقاصد السياحية في الشرق الأوسط، خاصة مع إمكانية استغلال العديد من المباني التراثية وتحويلها إلى فنادق بوتيك صغيرة وشقق فندقية راقية، على غرار ما يحدث في باريس ولندن ومدريد. فالقاهرة لا ينقصها الجمال أو التاريخ، بل تحتاج فقط إلى حسن استغلال هذا التراث الفريد.


إن إنشاء منطقة سياحية متكاملة في وسط البلد، تضم فنادق ومقاهي ومطاعم ومسارح ودور سينما ومناطق للمشي والترفيه، من شأنه أن يخلق مصدرًا مهمًا لزيادة الدخل القومي المصري، ويوفر آلاف فرص العمل، ويعيد القاهرة إلى مكانتها الطبيعية كواحدة من أهم العواصم الثقافية والسياحية في العالم.


وما يميز هذه الرؤية أيضًا، هو الترابط الجغرافي الفريد بين وسط البلد والقاهرة التاريخية وخان الخليلي، حيث يمكن للسائح أن يتحرك سيرًا على الأقدام بين هذه المناطق التاريخية في تجربة سياحية استثنائية تشبه ما يحدث في العواصم الأوروبية الكبرى.


ويبقى العنصر الأهم الذي يمنح مصر ميزة تنافسية حقيقية، هو حالة الأمن والاستقرار التي تنعم بها البلاد، والتي يشعر بها السائح في مختلف المناطق المصرية، وهو ما يمثل أحد أهم عوامل نجاح السياحة عالميًا.

إن ما تقوم به الدولة المصرية حاليًا في عهد الرئيس السيسي ليس مجرد تطوير عمراني، بل هو مشروع وطني لاستعادة هوية القاهرة وإنقاذ تراثها التاريخي من الضياع، وتحويل هذا التراث إلى قوة اقتصادية وسياحية وثقافية تخدم الأجيال القادمة، وتعيد لمصر صورتها التي تستحقها أمام العالم.

الجريدة الرسمية