ذكرى رحيل شيرين أبو عاقلة، صوت فلسطين الذي لم يخرسه رصاص الصهيونية
في الحادي عشر من مايو عام 2022 غابت شيرين أبو عاقلة، الأيقونة الفلسطينية التي طالما نقلت الخبر، لتصبح هي الخبر الأكثر وجعًا في تاريخ الصحافة الفلسطينية المعاصرة، بعد أن استهدفها جنود الاحتلال الإسرائيلي خلال تأدية عملها بالرصاص الحي.
شيرين أبو عاقلة، ابنة القدس البارة
ولدت شيرين نصري أبو عاقلة عام 1971 في مدينة القدس، لأسرة مسيحية عريقة تعود جذورها إلى مدينة بيت لحم، حيث نشأت في بيئة مقدسية صلبة، شكلت وعيها الأول بالقضية، وعرفت في وسطها الاجتماعي بهدوئها المفرط واتزانها، وهي الصفات التي لازمتها طوال مسيرتها المهنية، مما جعلها تحظى باحترام مختلف الأطياف السياسية والاجتماعية في فلسطين.
وبدأت شيرين رحلتها الأكاديمية بدراسة الهندسة المعمارية في جامعة العلوم والتكنولوجيا بالأردن، لكن شغفها بنقل الحقيقة دفعها لتغيير مسارها جذريًا، وانتقلت إلى جامعة اليرموك لتدرس الصحافة، وحصلت منها على درجة البكالوريوس، وهذا التكوين الأكاديمي المتين جعل منها صحافية تجمع بين دقة الملاحظة وسلاسة اللغة.
ورغم محاولات الكثيرين تصنيفها، ظلت شيرين أبو عاقلة محافظة على استقلاليتها المهنية، إذ لم تعرف بانتماء حزبي، بل كان انتماؤها الوطني هو البوصلة، وحسب زملاء لها كانت شيرين تجسد نموذج الصحفي الوطني الذي ينحياز للإنسان ومعاناته، بعيدًا عن التجاذبات السياسية بين الفصائل، مما جعلها محل ثقة الشارع الفلسطيني بمختلف توجهاته.
اغتيال شيرين أبو عاقلة، الفجر الحزين في جنين
في صباح ذلك الأربعاء، كانت شيرين تؤدي واجبها المهني المعتاد في تغطية اقتحام قوات الاحتلال الإسرائيلي لمخيم جنين، ترتدي كامل معدات السلامة المهنية؛ الدرع والخوذة اللذين يحملان شارة الصحافة (PRESS) بوضوح.
ومع ذلك أصابتها رصاصة قناص بدقة متناهية في المنطقة الوحيدة المكشوفة أسفل الخوذة (خلف الأذن)، لتسقط شيرين شهيدة في مكانها، بينما كان زملاؤها يحاولون إنقاذها تحت زخات الرصاص التي منعت حتى الوصول إلى جثمانها لعدة دقائق.
لماذا قتلت شيرين أبو عاقلة؟
يرى مراقبون وحقوقيون أن استهداف شيرين لم يكن محض صدفة، بل كان استهدافًا للرواية الفلسطينية، فالصحفية الراحلة لم تكن مجرد مراسلة، بل شاهدًا تاريخيًا يتمتع بمصداقية دولية هائلة وقتلها يكسر شوكة التغطية الإعلامية في جنين، التي كانت تشهد تصعيدًا كبيرًا في ذلك الوقت، لإرهاب الصحفيين ومنعهم من نقل تفاصيل الممارسات الميدانية للاحتلال.
وأحدث مقتل شيرين زلزالًا دوليًا غير مسبوق، عربيًا وفلسطينيًا خرجت فلسطين في واحدة من أضخم الجنازات التاريخية، حيث حمل جثمانها على الأكتاف من جنين إلى نابلس وصولًا إلى رام الله والقدس، في مشهد جسد وحدة الشعب الفلسطيني خلف قضيتها.
دوليًا أدانت كبرى المنظمات الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي الحادثة، وطالبت مؤسسات إعلامية كبرى مثل نيويورك تايمز واشنطن بوست بتحقيقات مستقلة، بعدما أثبتت تحقيقاتها الخاصة أن الرصاصة انطلقت من جهة قوات الاحتلال.
إعلاميًا تحولت شيرين أبو عاقلة إلى رمز عالمي لحرية الصحافة، وأُطلقت أسماؤها على شوارع وميادين ومنح دراسية في مختلف دول العالم، لتبقى شيرين أبو عاقلة حية في ذاكرة زملائها والجمهور، ليس فقط كضحية لانتهاكات الاحتلال، بل كمعلمة أجيال في الصبر المهني، وكصوت لم يغادر الميدان إلا محمولًا على الأكتاف، مخلفًا وراءه إرثًا صحفيًا يدرس في كيفية نقل الحقيقة برزانة واقتدار.
