رئيس التحرير
عصام كامل

المستقبل على المحك

18 حجم الخط

ليس أمام مصر اليوم ترف الاختيار بين القوة والضعف، ولا بين الغنى والفقر، ولا بين التقدم والتخلف.. العالم من حولنا يتحرك بعنف، والتحالفات تتغير، وموازين القوى يعاد تشكيلها كل يوم. وفي مثل هذا العالم لا مكان للدول الضعيفة، ولا احترام للدول التي لا تملك من أمرها شيئًا.


الحقيقة التي يجب أن نواجه بها أنفسنا بلا مواربة هي أن الدولة القوية لا تُبنى بالشعارات، ولا بالخطب الحماسية، بل تُبنى بالاقتصاد المنتج، وبالعلم، وبالقدرة على العمل والمنافسة.. ولذلك فإن الطريق الوحيد أمام مصر لكي تكون دولة قوية هو أن تصبح دولة غنية، ولن تصبح غنية إلا إذا تحولت إلى دولة صناعية متقدمة تمتلك التكنولوجيا والمعرفة والقدرة على الإنتاج.


الدول التي تحترمها الدنيا ليست تلك التي تملك الثروات الطبيعية فقط، بل تلك التي تملك العقول القادرة على تحويل المعرفة إلى صناعة، والصناعة إلى قوة، والقوة إلى نفوذ. وهذا كله يبدأ من مكان واحد لا بديل عنه.. التعليم.


فلا يمكن أن تقوم صناعة حديثة على نظام تعليمي متخلف، ولا يمكن لدولة أن تنافس في عالم التكنولوجيا بينما مدارسها وجامعاتها بعيدة عن روح العصر. ولهذا فإن بناء منظومة تعليم حكومية قومية حديثة، موحدة لكل المصريين، وقادرة على منافسة أرقى نظم التعليم في العالم الصناعي المتقدم، ليس رفاهية فكرية ولا مشروعًا تجميليًا، بل هو مسألة بقاء.


لكن المفارقة المؤلمة أن الحديث عن بناء دولة قوية قائمة على العلم والإنتاج لا ينسجم أحيانًا مع بعض القرارات التي تُتخذ على الأرض. ففي الوقت الذي نحتاج فيه إلى تعظيم دور البحث العلمي وتطوير مؤسساته وتمكين العلماء من أداء دورهم في خدمة الاقتصاد الوطني، نفاجأ بخطوات تمضي في الاتجاه المعاكس.


ففي توقيت بالغ الحساسية، يثار الحديث عن تحويل أراضي مراكز البحوث الزراعية في الجيزة إلى أبراج سكنية ومحال تجارية، وكأن مستقبل الدول يُبنى بالمولات وتجارة العقارات والسمسرة، لا بالعلم ولا بالإنتاج. وكأن الأرض التي احتضنت لعقود طويلة تجارب علمية وبحوثًا زراعية مهمة يمكن أن تتحول ببساطة إلى مشروع استثماري آخر، دون اعتبار لما تمثله هذه المؤسسات من قيمة علمية ووطنية.


إن مراكز البحوث الزراعية ليست مجرد مبانٍ يمكن نقلها أو استبدالها، بل هي تراكم علمي وخبرات وعقول عملت لسنوات طويلة من أجل تطوير الزراعة المصرية. والزراعة التي تُطعم الشعوب لا تقوم على المصادفة، بل تقوم على البحث العلمي؛ على دراسات تطور إنتاجية المحاصيل، وتبتكر سلالات أكثر تحمّلًا للجفاف والملوحة، وتقاوم أمراض النباتات التي قد تقضي على محاصيل كاملة.


الدول التي تفكر في المستقبل توسّع مراكز أبحاثها الزراعية ولا تقلصها، وتستثمر في علمائها لا في بيع أراضيهم. لأن الأمن الغذائي لا يقل أهمية عن الأمن العسكري، بل ربما كان أكثر خطورة. فالشعوب التي لا تملك غذاءها تظل دائمًا رهينة لمن يملكه، وتظل مضطرة إلى استيراد قوتها من الخارج مهما دفعت من أثمان.


ومن هنا فإن تحويل أراضٍ علمية وبحثية إلى مشروعات عقارية يبعث برسالة مقلقة عن أولوياتنا. فالدول لا تُبنى بالمولات، ولا تُصنع قوتها بالأبراج الزجاجية، بل تُبنى بالعلم والصناعة والزراعة والإنتاج الحقيقي.


ولعل ما يحدث حولنا في المنطقة يقدم درسًا قاسيًا في معنى الاعتماد على الذات. فدول أنفقت تريليونات الدولارات على تحالفاتها الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، معتقدة أن المال يشتري الحماية وأن التحالفات تضمن الأمن. لكن لحظة الحقيقة كشفت أن الأمن الحقيقي لا يُستورد، وأن القوة لا تُستعار.


وفي الوقت نفسه نسمع اليوم أصواتًا من بعض الأصدقاء والأشقاء تطالب مصر برد ودائعها لدى البنك المركزي في توقيت بالغ الحساسية. وقد يكون من حق أي دولة أن تحافظ على مصالحها، لكن الرسالة الأهم بالنسبة لنا نحن هي أن الدولة التي تعتمد على غيرها تظل دائمًا تحت رحمة الآخرين.


الدول التي تقف على قدميها لا تُبتز، ولا تُحرج، ولا تُفاجأ بتغير المواقف. لأنها ببساطة تملك اقتصادًا قويًا، وصناعة متقدمة، وعلمًا متطورًا يجعلها قادرة على الاعتماد على نفسها.

وهنا نعود إلى الحقيقة الأولى التي يجب أن تتحول إلى عقيدة وطنية واضحة.. ليس أمام مصر من بديل إلا أن تكون دولة قوية. ولن تكون دولة قوية إلا إذا كانت دولة غنية. ولن تكون غنية إلا إذا أصبحت دولة صناعية متقدمة. ولن تصبح دولة صناعية متقدمة دون تعليم حديث وبحث علمي قوي وزراعة متطورة وصناعة حقيقية. وليس مولات ومحلات تحت الكباري.

الجريدة الرسمية