رئيس التحرير
عصام كامل

بين طموح قانون التخطيط وتعقد قانون المحليات

18 حجم الخط

في لحظات التحول الوطني الكبرى، تقتضي الأمانة الوطنية أن نقول الحقيقة كاملة فإن أخطر ما نواجهه كبرلمانيين أن تصاغ  القوانين لتكون نصوصًا جامدة محكومة بحسابات ونصوص فتفرغ من مضمونها وأهدافها، بل أطمح دوما أن نشيد حياة سياسية معبرة تربط بين موارد الدولة وطموح مواطنيها نحو التنمية. 

واليوم، ونحن أمام استحقاق تفعيل قانون التخطيط العام للدولة (رقم 18 لسنة 2022)، نجد أنفسنا أمام معضلة بنيوية؛ فبينما تستهدف الدولة تحقيق الحوكمة والرقمنة والعدالة المكانية، لا تزال المجالس المحلية المنتظرة حبيسة تشريعات قديمة وتصورات سياسية قد تفرغ التنمية من محتواها الإنساني..

خاصة أن قانون المحليات المنتظر تم صياغته في 2016، قبل التطور الإداري الذي ترسم ملامحه الدولة نحو عصر الجمهورية الجديدة، بل إن من صاغ الدستور ذاته لم يكن يتصور إلي أين ستكون الدولة بعد أكثر من عقد.

عنصرية الرقم مقابل القيمة

إن فلسفة التمكين للفئات في الفكر السياسي المعاصر فلسفة سامية ولكنها لا تعني دغدغة العواطف، بل تعني تمكين فئات تم تهميشها نحو إطار اسمي وهو كفاءة الوصول للموارد. وهنا تبرز الإشكالية في مقترح القائمة المطلقة بنسبة 75% في قانون المحليات.. 

فهذا الطريق المعقد، وإن بدا محققًا للالتزام الدستوري وللاستقرار السياسي السريع، إلا أنه يمثل تهديدًا مباشرًا لـ الاستقرار التنموي.

إن قوانين التخطيط والمالية الموحدة هي قوانين تكنوقراطية بامتياز، تتطلب مسؤولًا محليًا يمتلك الأمانة العلمية لقراءة مؤشرات الأداء (KPIs) وفهم تعقيدات الموازنة الاستثمارية. 

حين تقول تجربتي السابقة إن المقعد المحلي أصبح غنيمة للحشد الانتخابي المعتمد على القوة المالية أو القبلية، فإننا نخلق فجوة بين العلم والواقع، ونحرم المواطن البسيط من حقه الأصيل في أن تُدار موارده بعقلية المخطط الاستراتيجي لا بعقلية الوسيط السياسي.

أخشى أن تتحول الكوتة في المحليات إلى معوق حسابي، إذا تعقد القانون وليس دافع لطموح الدولة والمواطن البسيط ما لم تكن كوتة حقيقية ممثلة عن الفئة بصدق وقادرة علي التفهم العلمي.

التفريغ الهيكلي للتمويل النسبي: ندرة الكوادر كخطر وجودي

لقد لمست في  التجارب السياسية السابقة وقراءتي لتجارب لدول التحول الديمقراطي عن معضلة في استخدام كوتة المرأة والشباب؛ حيث تم في حالات تحويل هذه الفئات إلى مكملات حسابية قانونية، تخضع لتوازنات سياسية وقبلية بسبب تعقد القانون، وفي المقابل توليد مقاعد شاغرة للقادة الشعوبيين أو لرأس المال السياسي القادرين على نجاح العملية الانتخابية.. 

هذا المسلك سيؤدي إلى حالة من الانفصال الفكري بين الدولة والمجالس المحلية. فتواجه فلسفة التخطيط التشاركي من أسفل إلي أعلي أزمة تنفيذية، فبينما يطالب قانون التخطيط بدراسات جدوى متكاملة وربط مكاني عبر نظم (GIS)، سنجد أنفسنا أمام قيادات محلية قد لا تدرك الفارق بين موازنة البنود التقليدية وموازنة البرامج التي تستهدف الأثر التنموي. 

إن ندرة الكادر العلمي السياسي في مواقع القرار المحلي ليست مجرد أزمة قانونية، بل هي إهدار لفرص التنمية المستدامة، تجعل من العدالة المكانية تفتقر للكفاءات وللأدوات التنفيذية.

نحو تكامل تشريعي يحترم كرامة الإنسان

إن الأنسنة الحقيقية للقانون تقتضي أن يكون قانون المحليات هو خارطة الطريق الذي يعبر عليه العلم إلى المواطن. لا يمكن أن تنجح رؤية مصر 2030 بـ بخطط بلا وعي سياسي نحن بحاجة إلى تشريع يضمن وصول النخبة المعرفية –من أساتذة الجامعات والمهندسين والخبراء– إلى عصب الإدارة المحلية.

إن الهدف الأسمى ليس مجرد بناء الوطن، بل بناؤه على أسس علمية تضمن ألا ينهار مشروع بعد عقد، وألا ينهار الموارد  في غير موضعها طبقا لمجاملات الأعضاء أو ضغوطهم، لذا أرى أن المنطق إلا تزيد القائمة على 50٪؜، وذلك بإمكانية تمثيل المرشح لصفتين في نفس الوقت.. 

مع منع من لا يحمل صفة فئوية من دخول القائمة، ويترك مساحة فيها للخبراء، ولا تخشوا عليهم أيضا في الانتخابات الفردية، فوعي الشعب قادر على الفرز والتقييم الفني.. 

وهو ما لمسته في انتخاباتي الشخصية.. وإن كان هذا الطرح يحتاج دراسة دستورية، خاصة أن الدستور تدخل في تفاصيل وتفاصيل أصبحت مقيدة.. ما لم يتم ذلك قد يعود الرأي العام لينتقد الأحزاب على نوعية كوادر فرضها القانون وليست الأجدر.

من منظور تقني أرى أن التكامل بين قوانين (التخطيط، والمالية، والمحليات) هو ضمانة مستقبلية لحماية الإنسان المصري من تبعات العشوائية الإدارية، ولضمان أن تتحول الأرقام في موازنة الدولة إلى جودة حياة يشعر بها المواطن في أبسط تفاصيل يومه.

الجريدة الرسمية