رئيس التحرير
عصام كامل

ذا جارديان: حرب إيران بداية نهاية الهيمنة الأمريكية.. وطهران باتت أكثر نفوذا

إيرانيون يسيرون أمام
إيرانيون يسيرون أمام جدارية في طهران - نقلا عن ذا جارديان
18 حجم الخط

أكد أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، ومؤلف كتاب "الخيانة الكبرى: الصراع من أجل الحرية والديمقراطية في الشرق الأوسط"، فواز جرجس أن الحرب التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران كانت خطأ استراتيجيا، مؤكدا أنها "طهران باتت الآن أكثر نفوذا من أي وقت مضى".

وقال جرجس في مقال نشرته جريدة "ذا جارديان" البريطانية: سيذكر قرار ترامب بشن حرب ضد إيران باعتباره خطأ استراتيجيا جسيما، وهو خطأ أعاد تشكيل المنطقة بطرق غير مقصودة ومزعزعة للاستقرار. ومع تمديد وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى، يمكننا أن نرى بشكل أوضح كيف أضعفت هذه الحرب مكانة الولايات المتحدة في العالم، وفشلت في تحقيق أهدافها الأساسية.

وأضاف: لم تؤد الحرب إلى تغيير النظام في طهران، ولم تجبر إيران على الخضوع للمطالب الأمريكية. بل على العكس تماما؛ فقد ألحقت أضرارا اقتصادية تتجاوز المنطقة بكثير وأدت إلى إبطاء الاقتصاد العالمي، وأثبتت إيران أن سيطرتها على مضيق هرمز تمثل رادعها الأقوى، وربما الأكثر تأثيرا من برنامجها النووي الذي أصبح الآن شبه معطل. وسيظل التحكم في المضيق مصدر نفوذ قوي لطهران في السنوات القادمة.

تهديد مضيق باب المندب

وبحسب الكاتب، لم يقتصر تحكم إيران على مضيق هرمز فقط، مضيفا: بالاعتماد على حلفائها الحوثيين في اليمن، أشار الحرس الثوري الإيراني أيضا إلى قدرته على تهديد مضيق باب المندب عند الطرف الجنوبي للبحر الأحمر، وهو ممر حيوي يمر عبره نحو 8% من التجارة العالمية وجزء كبير من شحنات الطاقة والمواد الكيميائية في العالم، واحتمال تعطيل الملاحة في هرمز وباب المندب معا يعني صدمة مزدوجة للاقتصاد العالمي.

ويضيف: في هذا السياق، ليس من المستغرب أن يشعر حلفاء الولايات المتحدة في الخليج بالقلق. وما يثير قلقهم أكثر هو احتمال أن تمتلك إيران بعد الحرب سيطرة دائمة على هرمز كوسيلة ضغط مستمرة، في وقت تبدو فيه الولايات المتحدة، في أفضل الأحوال، ضامنا غير موثوق لأمنهم. لذلك تسعى دول الخليج إلى تنويع ترتيباتها الأمنية عبر بناء شراكات مع قوى إقليمية مثل باكستان ومصر وتركيا، وتعميق العلاقات مع أوروبا والصين والهند.

إيران أكثر جرأة وقوة وعدوانية 

يقول جرجس: على الرغم من أن الحرب التي قادتها الولايات المتحدة وإسرائيل أضعفت إيران اقتصاديا وعسكريا، فإن تأثيرها الطويل الأمد قد يكون عكس ذلك، بحيث تصبح إيران أكثر جرأة وقوة وعدوانية. ومن أهم النتائج غير المقصودة لهذه الحرب حدوث تحول في العقيدة الاستراتيجية الإيرانية. فبدلا من الاعتماد على الحذر والردع، من المرجح أن تتبنى إيران نهجا تصعيديا يستهدف البنية الاقتصادية والأمنية الأوسع لخصومها.

ويتابع: داخل إيران، يجري هذا التحول بالفعل. إذ يبدو أن جيلا جديدا من ضباط الحرس الثوري استخلص درسا حادا بأن ضبط النفس يعني الضعف. ولسنوات، التزم المرشد الأعلى الراحل ومستشاروه بعقيدة "الصبر الاستراتيجي"، لكن اغتيال قادة عسكريين وعلماء نوويين إيرانيين من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، والهجمات المباشرة على الأراضي الإيرانية، عززت قناعة لدى الحرس الثوري بأن الدفاع لم يعد يضمن الأمن. وقد دفنت هذه العقيدة الآن مع الجيل القديم.

الالتفاف حول العلم الإيراني

يستطرد جرجس قائلا: بدلا من إضعاف قبضة النظام داخليا، يبدو أن الحرب عززتها ولو مؤقتا على الأقل. فرغم الاستياء الشعبي الواسع من رجال الدين الحاكمين، رأى كثير من الإيرانيين أن تدمير البنية التحتية المدنية ليس استهدافا للنظام بل اعتداء على الوطن، مما أدى إلى ما يعرف بتأثير "الالتفاف حول العلم" في أوقات الحرب، مدعوما بالقمع والخوف من رد الدولة.

ويضيف: هذه الأخطاء لم تكن تكتيكية فقط، بل تعكس افتراضات أعمق. إذ يبدو أن ترامب لم يأخذ بجدية سيناريوهات مثل احتمال إغلاق مضيق هرمز. وكان ميالا، من حيث المزاج والأيديولوجيا، إلى تصديق وعود بنيامين نتنياهو بأن الحرب ستكون سريعة وحاسمة.

وبحسب المقال، بدأت النتائج بالظهور بالفعل؛ حيث إن التداعيات الجيوسياسية والاقتصادية لهذه الحرب تفوق بكثير حرب العراق عام 2003. وقد أدت الضربات الاستباقية خلال المفاوضات النووية إلى انهيار أعراف الدبلوماسية، وتحول الولايات المتحدة من حارس للنظام العالمي إلى قوة مقلقة له، وتواجه مساءلة حتى من حلفائها الأوروبيين.

ويختتم جرجس بالقول: قد يرى المؤرخون في المستقبل هذه اللحظة بداية نهاية "القرن الأمريكي"، وبداية عصر أكثر اضطرابا تتزايد فيه هيمنة الصين.

الجريدة الرسمية