ترامب يعيش وهم العصر الذهبي والقوة المطلقة.. ذا ناشيونال إنترست: واشنطن تنزلق نحو حرب عبثية في إيران وسط قلق جمهوري من سنوات عجاف.. والحلم الأمريكي ينهار
في رائعته "موت بائع متجول"، يوجه الكاتب الأمريكي آرثر ميلر نقدا لاذعا لـ"الحلم الأمريكي"، حيث يصور بطل مسرحيته ويلي لومان كضحية لوهم النجاح المادي السريع، قبل أن ينتهي حلمه بفشل مأساوي، إذ يؤدي التمسك بأوهام الثراء إلى انهيار ويلي النفسي والمهني والذي يقوده في النهاية إلى الانتحار.
قصة ربما أعادت رسم تفاصيلها من جديد، من خلال اندفاع الولايات المتحدة "بشكل متعثر" نحو الانخراط في حرب برية ضد إيران؛ وهي حرب تجعل واشنطن أبعد ما تكون عن "أرض الأحلام"، وفق مقال نشره رئيس تحرير مجلة "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكية جاكوب هايلبرون.
يبدأ هايلبرون مقاله متسائلا: أين هو "العصر الذهبي الجديد في أمريكا" الذي تحدث عنه رئيس مجلس النواب مايك جونسون خلال حفل لجمع التبرعات في محطة يونيون بواشنطن العاصمة، حيث منح تمثالا ذهبيا معبرا عن "أمريكا أولًا" للرئيس دونالد ترامب؟
ويضيف: أسعار الوقود ترتفع، والوظائف تتراجع. وتشير استطلاعات جديدة إلى أن الأمريكيين يزدادون قلقا واستياء من الحرب في إيران، التي تحولت من ما وصفه ترامب بـ"توغل" إلى استعدادات لحملة برية قد تبدأ في أقرب وقت هذا الأسبوع.
ويتابع: على منصته "تروث سوشيال"، انغمس ترامب في أسلوبه المعتاد من التفاخر والتهويل قائلا: دول الناتو لم تفعل شيئا على الإطلاق للمساعدة مع الدولة المجنونة، التي دمرت عسكريا الآن، وهي إيران. والولايات المتحدة لا تحتاج شيئا من الناتو، لكن "لا تنسوا أبدا" هذه اللحظة المهمة جدا.
قواعد عسكرية أمريكية في منطقة الخليج باتت خارج الخدمة
يمضي هايلبرون قائلا: بالنسبة لدولة يفترض أنها "مدمرة"، يبدو أن إيران لا تزال قادرة على إلحاق أضرار كبيرة. فقد أصبحت عدة قواعد عسكرية أمريكية في منطقة الخليج غير صالحة للسكن، كما كشف عن ضعف في أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية.

ويتابع: تفيد جريدة واشنطن بوست بأن البنتاجون قد لا يتمكن من تلبية مبادرة "قائمة متطلبات أوكرانيا ذات الأولوية"، التي كانت دول الناتو تمول من خلالها المعدات العسكرية لأوكرانيا، حيث يحتمل تحويل هذه الموارد إلى الشرق الأوسط. وفي الوقت نفسه، يؤدي نقص الوقود في آسيا وارتفاع أسعار الطاقة في أوروبا إلى تزايد النظر إلى أمريكا باعتبارها مفترسا متهورا بدلا من حليف موثوق.
وهم القدرة الأمريكية المطلقة
يقول رئيس تحرير "ذا ناشيونال إنترست": في مقال تحليلي نشرته جريدة “نيويورك تايمز”، استشهدت الصحفية الأمريكية ليديا بولجرين بمقال شهير لعالم السياسة الاسكتلندي دي. دبليو. بروجان نشر في ديسمبر 1952 في مجلة هاربر الأمريكية، حول وهم القدرة الأمريكية المطلقة.
وكان بروجان قد جال في أنحاء أمريكا خلال حقبة المكارثية، وخلص إلى أن كثيرا من الأمريكيين غير قادرين بطبيعتهم على تقبل فكرة أنهم قد هزموا في الخارج، لأنهم يفتقرون إلى القدرة على إعادة تشكيل العالم وفق صورتهم. وبدلا من ذلك، كانوا يسعون إلى إلقاء اللوم على عدو داخلي. ففي حالة سقوط الصين في أيدي الشيوعية عام 1949، بحثوا عن عناصر تخريبية داخلية لتحميلها المسؤولية، بحسب المقال.
القلق ينتاب الجمهوريين دخل الكونجرس
يضيف هايلبرون: في الوقت الراهن، يبدو أن ترامب يحشد قوات لمحاولة تنفيذ عملية للسيطرة على جزيرة خرج، التي تقدم -وفقا لموقع أكسيوس- على أنها "الضربة النهائية". لكن ذلك لا يؤخذ بعين الاعتبار احتمالات قيام إيران بزرع ألغام في الجزيرة. وينتاب الجمهوريون في الكونجرس شعور بالقلق. فقد صرح رئيس لجنة القوات المسلحة الأمريكية في مجلس الشيوخ النائب مايك روجرز قائلا: "نريد أن نعرف المزيد عما يحدث. نحن ببساطة لا نحصل على إجابات كافية".
ويتابع: هناك أيضا النائبة نانسي ميس، التي قالت في منشور على منصة "إكس": إن "المبررات التي قدمت للشعب الأمريكي بشأن الحرب في إيران لم تكن نفس الأهداف العسكرية التي أطلعنا عليها اليوم في لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب؛ وقد يكون ترامب بصدد التوجه نحو "جاليبولي" جديدة، في إشارة إلى عملية الإنزال البرمائي الكارثية ضد الدولة العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى، والتي دعمها ونستون تشرشل وكادت تنهي مسيرته السياسية.
هجوم بري فاشل
بعيدا عن المقال، بدأت حملة جاليبولي بهجوم بحري في فبراير 1915، ثم إنزال بري في 25 أبريل 1915، وانتهت بانتصار عثماني ساحق وانسحاب الحلفاء في يناير 1916؛ وكانت نتيجة الفشل البريطاني الفرنسي ثمانية أشهر من المجازر، ونصف مليون ضحية بين الجانبين، وانسحاب كامل للحلفاء دون تحقيق أي هدف سوى الموت الجماعي. أما المدافعون، الذين يقاتلون على أرضهم، فقد ثبت استحالة إخراجهم منها.

بالعودة إلى المقال، يقول هايلبرون: إذا أطلق ترامب غزوا بريا فاشلا، فمن شبه المؤكد أنه سيسعى إلى تحميل فشله ليس لقراره المتقلب بخوض الحرب في إيران، بل لـ"خونة" في الداخل. ووفقا لاستطلاع حديث أجرته "مؤسسة كوينيبياك" الأمريكية، فإن 74% من الأمريكيين يعارضون من الأساس شن غزو بري ضد إيران. ولا يبدو أنهم يعانون من أوهام القوة المطلقة في الشرق الأوسط، والتي يعنيها ترامب.
ترامب يخوض حربا عبثية في إيران
يضيف هايلبرون: الشخص الذي يبدو أنه تبنى وهم القوة المطلقة هو ترامب، الذي يرى نفسه في صورة من يمكتلك القوة الكلية في الداخل والخارج. ولا يبدو أن الدافع الرئيسي لنهجه في السياسة الخارجية هو "أمريكا أولًا" أو "الانعزالية" أو أي من المبادئ الأخرى التي نسبت إليه منذ تعهده بتجنب الحروب العبثية والممتدة في الخارج. والآن، يستعد ترامب لخوض حرب عبثية؛ ويتضح أن القوة الدافعة الحقيقية وراء تفكيره هي السعي الدؤوب وراء الموارد.
وبحسب الكاتب، فقد صرح ترامب بأنه يريد جعل فنزويلا الولاية الحادية والخمسين، وأنها ستشهد "عصرا ذهبيا" خاصًا بها. كما تفاخر وزير داخليته دوج بورجوم بأن الإدارة الأمريكية استولت على 100 مليون دولار من الذهب من فنزويلا. وفي الوقت نفسه، يتطلع ترامب إلى السيطرة على إمدادات النفط الإيرانية.
وينهي هايلبرون مقاله قائل: بينما يتخبط في إيران، يتعهد ترامب بإرسال الحرس الوطني إلى المطارات الأمريكية لمعالجة فوضى أخرى تسبب بها بنفسه. إن عجز ترامب عن تقبل الهزيمة لا يبشر بخير للسنوات الثلاث المقبلة، إذ ستكون مهمته الوحيدة هي مهاجمة أعدائه الحقيقيين والمتخيلين. ويا له من "عصر ذهبي" بالفعل.
- الفيديو المرفق يوضح بأن أكثر من ألف جندي إضافي من الفرقة 82 المحمولة جوًا يتجهون إلى الشرق الأوسط. وجاء هذا الإعلان بالتزامن مع تصريح الرئيس دونالد ترامب من المكتب البيضاوي يوم الثلاثاء: "لقد انتصرنا في هذه الحرب".




