رئيس التحرير
عصام كامل

جورج بيرنباوم عراب نتنياهو.. يقود صعود اليمين الصهيوني المتطرف داخل الغرف المظلمة حول العالم.. يؤمن بأن "إسرائيل" وحدها تحمي اليهود.. ويعيد صياغة سردية محرقة لم يعشها

جورج بيرنباوم مستشار
جورج بيرنباوم مستشار بنيامين نتنياهو السابق
18 حجم الخط

يضم البرج الزجاجي الذي يحتضن مكتب الملياردير اليهودي جورج سوروس في مانهاتن عشرات الشاشات المليئة بأرقام ترصد وتتنبأ باتجاهات الأسواق العالمية. ووسط هذه البيانات يظهر رسم بياني برتقالي يحلل المشاعر على وسائل التواصل الاجتماعي، ويجري تحديثه بانتظام منذ 2017، مروجا لروايات تتحدث عن سوروس بأنه "شر محض، ومهرب مخدرات، ومؤمن بنظريات المؤامرة، ومستغل متطرف، ونموذج حي للكراهية المطلقة"؛ وهي حقائق لا ينكر أحد 90% منها؛ لكن السؤال هو من أين أتت كل هذه الأفكار، ومن يقف وراءها؟

في مشهد مقابل، يمكن رؤية أحدهم واقفا أمام بوفيه ضخم في فندق ويستن جراند في برلين؛ إنه جورج بيرنباوم، المستشار السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي طالما تباهى بأنه هو الذي صنع نتنياهو، مثلما صنع غيره!

يتمتع بيرنباوم ببنية رياضية تشبه عدائي الماراثون، وقامة طويلة، وعينان زرقاوتين ثاقبتين تختفيان خلف نظارة أنيقة ذات إطار سميك؛ ويعترف دائما بدوره في خلق صورة نمطية سلبية عن سوروس، الأمر الذي أدى إلى موجة عالمية من الهجمات ضده.

عراب نتنياهو ومستشاره الخاص

في مقابلة نشرتها مجلة "داس ماجازين" السويسرية عام 2019، كشف بيرنباوم أنه ومعلمه آرثر فينكلستين كانا وراء المؤامرة الأولى ضد سوروس في عام 2008؛ وتحديدا عندما قرر رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان الترشح لإعادة انتخابه بعد سنوات قضاها في المعارضة.

تعرف أوربان على الثنائي "بيرنباوم  وفينكلستين" عن طريق صديقه بنيامين نتنياهو، الذي أخبره بدورهما في فوزه برئاسة الوزراء الإسرائيلية لأول مرة عام 1996؛ وخلال فترة قصيرة نجح بيرنباوم وفينكلستين في الدفع برئيس الوزراء المجري إلى القمة لأكثر من 16 عاما.

ساعد جورج بيرنباوم في فوز رئبي الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بانتخابات عام 1996
ساعد جورج بيرنباوم في فوز رئبي الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بانتخابات عام 1996

وُلد سوروس في المجر، وكان في الرابعة عشرة من عمره عند استسلام ألمانيا النازية عام 1945، وقد نجا مع عائلته من المحرقة عبر إخفاء هويتهم اليهودية. وفيما بعد، كوّن ثروته من المضاربات المالية، ووجه أكثر من 30 مليار دولار لدعم مؤسسات “المجتمع المفتوح” التي تمول قضايا ليبرالية ومناهضة للشيوعية. ورغم أن نظريات المؤامرة حوله كانت موجودة منذ سنوات، فإن الحملة التي قادها بيرنباوم ساهمت في تكثيفها وتوسيع انتشارها.

بحسب المقابلة نصح بيرنباوم رئيس الوزراء المجري بالتركيز على تشويه سمعة سوروس، بوصفه "المحرك الخفي المسؤول عن دعم أعداء المجر وهما "الإسلام والقوى العلمانية".

يقول بيرنباوم: لم أكن أعلم حينها أن سوروس يهودي؛ لكن وجود عدو واضح يسهم دائما في حشد التأييد الشعبي. لا تخاض المعارك الانتخابية ضد أفكار مجردة، بل ضد أشخاص؛ فبدلًا من محاربة النازية كفكرة، يستهدف هتلر، وبدلا من تنظيم القاعدة، يستهدف بن لادن. لقد حسمنا الانتخابات قبل أن تبدأ.

أسطورة صنعها بيرنباوم

ولد جورج إيلي بيرنباوم عام 1970 في لوس أنجلوس، بعد أن فرت عائلته من ألمانيا النازية. وتحكي بعض الروايات أن جده أعدم رميا بالرصاص على يد النازيين أمام والده، الذي نجا لاحقا من معسكر أوشفيتز. وبعد انتقال العائلة إلى أتلانتا، حيث نشأ بيرنباوم، استمرت مظاهر معاداة السامية في ملاحقتهم؛ حيث تعرضت المدرسة اليهودية التي التحق بها لأعمال تخريب وكتابات معادية لليهود، وهو ما يصفه بأنه ترك أثرا عميقا في تكوينه النفسي؛ أو هكذا تروي القصة.

وفي فترة ابتعد فيها كثير من اليهود الأمريكيين عن هويتهم الخاصة، لم يكن بيرنباوم يملك رفاهية ذلك النسيان. فقد اعتاد والده أن يزوده بنسخة من جريدة "جيروزاليم بوست" أسبوعيا، ما ساهم في ترسيخ قناعات مبكرة لديه بأن "إسرائيل" وحدها القادرة على حماية اليهود من تكرار مأساة المحرقة. 

يقول بيرنباوم: كان والدي يقول لي: تعرف أولا على ما يواجهه الشعب اليهودي في العالم، وبعدها يمكنك أن تنشغل ببقية العالم.

رسم شخصية نتنياهو

ظلت كلمات الأب راسخة في ذهن بيرنباوم، قبل أن تتحول لاحقا إلى مسار عملي في حياته. ففي عام 1996، انضم إلى معلمه آرثر فينكلستين للعمل ضمن حملة بنيامين نتنياهو لرئاسة الوزراء في إسرائيل، ثم انتقل للإقامة هناك بشكل دائم، وشارك أيضا في حملته الانتخابية عام 1999. ورغم انفصاله لاحقا عن نتنياهو، فقد واصل انخراطه العميق في المشهد السياسي الإسرائيلي، حيث عمل مع عدد من الشخصيات البارزة، من بينهم أرييل شارون سفاح مجزرة صبرا وشاتيلا.

تعرف رئيس الوزراء المجري المتطرف فيكتور أوربان على بيرنباوم عن طريق صديقه بنيامين نتنياهو
تعرف رئيس الوزراء المجري المتطرف فيكتور أوربان على بيرنباوم عن طريق صديقه بنيامين نتنياهو

لا يمكن فهم شخصية بيرنباوم، الذي يصفه بعض الخبراء بـ"عراب الشعبوية المعاصرة"، بمعزل عن تأثير معلمه آرثر فينكلستين، الذي يعد الأب الروحي لـ"الاستشارات السياسية" وصانع نجوم اليمين حول العالم.

ففي أواخر ستينيات القرن الماضي، طور فينكلستين، الذي نشأ في أسرة متواضعة وكان والده يعمل سائقا، أساليب جديدة في الإعلانات التلفزيونية لدعم السياسيين، وأصبح من رواد توظيف استطلاعات الرأي كأداة محورية في إدارة الحملات الانتخابية. واستفاد لاحقا من إتقان بيرنباوم للغة العبرية وانتمائه إلى الديانة اليهودية لدفعه إلى قلب المشهد السياسي الإسرائيلي.

إحباط الناس أسهل كثيرا من تغيير قناعاتهم

يؤمن بيرنباوم، مثل معلمه الراحل، بأنه من الصعب تغيير قناعات الناخبين، وأن الأسهل من ذلك إحباط مؤيدي الخصم؛ تجسدت هذه الرؤية بوضوح في حملة دونالد ترامب ضد هيلاري كلينتون، كما تظهر اليوم في الخطاب السياسي الذي يركز على تصوير الخطر بوصفه قادما من اليسار.

ويدير بيرنباوم شبكة اتصالات مع مسؤولين أمنيين إسرائيليين حاليين وسابقين، ما يمنحه معرفة دقيقة بكيفية إدارة المشهد السياسي داخل الغرف الإسرائيلية المظلمة؛ ويُنظر إلى اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في 4 نوفمبر 1995 باعتباره نقطة تحول مفصلية في مسيرته.

وقتها، تم الترتيب على عجل لانتخابات خليفته، ودخل نتنياهو المشهد كمرشح جديد في السباق. لم يكن لدى نتنياهو أي فرصة للفوز أمام شخصية تاريخية بحجم شيمون بيريز؛ حيث أظهرت استطلاعات الرأي تقدم بيريز بنسبة 20%. 

غير أن المشهد بدأ يتغير مع انطلاق حملة إعلانية مكثفة لحزب الليكود بقيادة نتنياهو، حملت شعار "بيريز سيقسم القدس"، وترافقت الحملة مع سلسلة من الرسائل والهجمات الإعلامية المماثلة التي استهدفت بيريز عبر التلفزيون والإذاعة والصحف، ما ساهم في إعادة تشكيل المزاج العام للناخبين في تلك المرحلة، وانتهت بإعلان فوز نتنياهو برئاسة الوزراء بنسبة بلغت 50.49% مقابل 49.51%.

وكما كتبت تلك الانتخابات مشهد الظهور الأول لرئيس الوزراء الإسرائيلي، فقد رسمت صورة مركبة لعراب المشهد بيرنباوم كشخصية تقف في قلب هندسة الحملات السياسية الحديثة، وأحد أبرز العقول المساهمة في صعود تيارات اليمين الصهيوني المتطرف، منخرطا في شبكات نفوذ عابرة للحدود لا تكتفي بصناعة القادة، بل تمتد إلى صناعة "العدو" نفسه.

المصادر:

  • بازفيد نيوز
  • مجلة داس ماجازين السويسرية
  • بي بي سي
  • نيويورك تايمز
الجريدة الرسمية