رئيس التحرير
عصام كامل

فيكتور أوربان والنعجة دوللي.. استنساخ ترامب على الطريقة المجرية.. عراب نتنياهو منحه 16 عاما من البقاء في السلطة.. يصف خصومه بـ"الحشرات الكريهة" ويحذر أوروبا من "الغزاة المسلمين"

رئيس الوزراء المجري
رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان
18 حجم الخط

فيكتور أوربان، هل تحول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى نسخ بشرية على طريقة "النعجة دوللي"؟ فالرئيس الذي لا يكاد يؤمن بقيمة العلم، حتى إن جريدة "نيتشر" العلمية خصصت مقالا دعمت فيه منافسه جو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2020، في خروج نادر على سياستها التحريرية، باتت أفكاره العنصرية تتجسد في صورة قادة آخرين مع اختلاف المكان؛ ومنهم رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، الذي قال عنه ترامب نفسه “إنه يشبهني؛ إنه قائد قوي وحازم بحق، وحقق نتائج مذهلة!”.

وبلغة المواقف، يتبنى أوربان رؤية مثيرة للقلق لمستقبل بلاده، التي طالما لقبت بـ"باريس الشرق"، متعهدا بـ"تطهير المجر من الصحفيين المأجورين ومنظمات المجتمع المدني المزعومة" حال فوزه مجددا في الانتخابات المقررة يوم 12 أبريل الجاري.

كما اشتهر أوربان باتخاذ مواقف عنصرية، حيث سارع إلى إعلان استعداده لاستقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متحديا قرار المحكمة الجنائية الدولية باعتقاله، وكان الصوت الوحيد ضمن حلف شمال الأطلسي الذي عارض انضمام السويد إلى الناتو، وأول المعارضين لمقاطعة الغاز الروسي.

واختار رئيس الوزراء المجري، العاشق لكرة القدم، خلال حملة بلاده لرئاسة الاتحاد الأوروبي، شعار "لنجعل أوروبا عظيمة مرة أخرى"، في صدى مشابه لشعارات ترامب، وحركة "ماجا" اليمينية الأمريكية المتطرفة.

العنف الأسري بذرة مواقف أوربان العدائية

ولد أوربان عام 1963 لعائلة شديدة الفقر، بالرغم من عمل والده كمهندس زراعي وعضويته في الحزب الشيوعي آنذاك؛ وبحسب أوربان، اعتاد والده ضربه وممارسة العنف والإيذاء الجسدي ضده.

رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب
رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب

وتشير الدراسات العلمية إلى أن "التعرض للعنف في مرحلة الطفولة يؤثر سلبا على تطور بنية الدماغ والصحة العامة، ويزيد من صعوبات التعلم". وربما كان هذا أحد الأسباب وراء تخلي أوربان عن متابعة دراسته، رغم حصوله على منحة لدراسة الفلسفة السياسية الليبرالية في جامعة أكسفورد، قدمها له الملياردير الأمريكي من أصل مجري جورج سوروس.

وفي اللحظة التي ترك فيها أوربان دراسته الجامعية، انضم إلى حزب "التحالف المدني المجري" (فيدس)، الذي فاز بـ22 مقعدا في انتخابات 1990، والمعروف بخطابه اليميني المتطرف، ورفض "الاختلاط العرقي"، والدعوة إلى "نقاء الثقافة المجرية"، واستهداف الغجر، ومنع تزويد مخيمات طالبي اللجوء والمهاجرين بالغذاء.

الارتماء في أحضان عراب نتنياهو

ارتبط أوربان، بعلاقة قوية مع "جورج بيرنبوم"، الذي اشتهر بأنه "عراب الشعبوية المعاصرة"؛ حيث ساعد رئيس الوزراء المجري في الوصول إلى الحكم عام 2010، مثلما مكن بنيامين نتنياهو، المطلوب مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب في غزة، من الوصول إلى السلطة عام 1996.

بينيامين نتنياهو ونظيره المجري فيكتور أوربان يحملان مكعب روبيك في منتدى الأعمال المجري الإسرائيلي
بينيامين نتنياهو ونظيره المجري فيكتور أوربان يحملان مكعب روبيك في منتدى الأعمال المجري الإسرائيلي

وبحسب تقارير إعلامية، تبنى بيرنبوم استراتيجية انتخابية تقوم على فكرة أنه "من الجيد أن يكون للشخص عدو"، وأنه "من النادر العثور على أحد يحبه الجميع"؛ وهي استراتيجية ربما كشفت -في جزء منها- سر احتفاظ أوربان بالسلطة منذ عام 2010 وحتى الآن رغم مواقفه العنصرية الواضحة.

نكران جميل سوروس

للبقاء في السلطة، كان على أوربان وبيرنبوم البحث عن شخص قوي يجري تصويره بوصفه عدوا يجب أن يخشاه المجريون؛ وكان الهدف جورج سوروس (الذي منحه فرصة التعلم)، حيث اختار الاثنان سوروس كهدف مثالي لصيد أصوات الناخبين.

فعلى مدى سنوات عمره التي تخطت الـ95 عاما، دون سوروس تاريخا قذرا في دعم الانقلابات، وثروة تخطت حاجز الـ25 مليار دولار، ما جعله هدفا مثاليا يلفت اهتمام المجريين إعلاما وشعبا؛ والعجيب أن ترامب نفسه هاجم سوروس، واتهمه هو وابنه بأنهما "رجال المافيا" في تشابه يصل إلى حد التماثل!

انتقدت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تعامل السلطات المجرية مع أزمة اللاجئين
انتقدت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة تعامل السلطات المجرية مع أزمة اللاجئين

يقول بيرنبوم: سوروس كان هدفا جيدا؛ لأن عددا كافيا من المجريين لم تعجبهم فكرة هذا الملياردير الذي يدير المشهد السياسي المجري من خلف الستار.

المحو الحضاري لأوروبا

في لغة "نازية" لا تختلف عن حديث ترامب عن "المحو الحضاري لأوروبا"، يقول أوربان: بحلول عام 2050، لن تكون دول الاتحاد الأوروبي سوى نتاج ثقافي لتعداد السكان المختلط؛ المجريون لا يريدون الاختلاط بأعراق أخرى، وسنقاتل ضد هذا المصير؛ الغرب يتجه نحو التدهور السكاني والروحي والاقتصادي، وإذا لم يكن هناك تغيير في التركيبة السكانية، سيتم استبدال سكاننا قريبا بالأجانب الذين سيحلون مكاننا؛ الغرب الحقيقي هو أوروبا المسيحية.

وفي حوار مع صحيفة "بيلد" الألمانية نشر في 8 يناير 2018، حذر  أوربان مما وصفه بـ"غزو المسلمين" لأوروبا، قائلا: "لا نعتبر هؤلاء الناس كلاجئين مسلمين ولكن كغزاة مسلمين. للوصول من سوريا إلى المجر لابد من عبور أربعة بلدان، فهؤلاء لا يركضون من أجل حياتهم وإنما من أجل حياة أفضل.

مواقف عدائية تجاه الإعلام

لم تتوقف عملية استنساخ أفكار ترامب عند حدود المواقف العنصرية، وإنما امتدت إلى دائرة الإعلام، وفق مقال نشرته جريدة "ذا جارديان" البريطانية لمديرة مؤسسة مختبر سيادة القانون في كلية الحقوق بجامعة نيويورك أمريت سينج.

 كان أوربان من عشاق كرة القدم، ويظهر هنا وهو يلعب في عام 1998
 كان أوربان من عشاق كرة القدم، ويظهر هنا وهو يلعب في عام 1998

تقول سينج: أوربان وترامب يعاديان الصحفيين المستقلين، ويستخدمان بانتظام لغة مجردة من الإنسانية لوصفهم. ففي المجر، وصف أوربان وسائل الإعلام المستقلة بأنها "مصانع أخبار كاذبة"، ووصف الصحفيين والقضاة والسياسيين المنافسين بـ"منظمات مجتمع مدني زائفة" و"حشرات كريهة يجب القضاء عليها". وبالمثل، هاجم ترامب وسائل الإعلام الناقدة بوصفها ناشرة لـ"الأخبار الكاذبة" و"عدو الشعب"، ووجه إهانات للصحفيات باستخدام كلمات مثل: سمينة، وقبيحة، وغبية.

وتضيف: قبيل انتخابات الأحد المقبل، طرد صحفيون مستقلون بالقوة أثناء تغطيتهم فعاليات داعمة لحزب أوربان؛ فيما منعت إدارة ترامب وكالة "أسوشيتد برس" من دخول المكتب البيضاوي والطائرة الرئاسية بسبب رفضها تسمية خليج المكسيك بـ"خليج أمريكا".

وفي الشهر الماضي، اتهم أوربان الصحفي الاستقصائي المجري سابولتش بانيي بالتجسس لتبنيه مواقف معارضة لحكومته، وأقام العديد من الدعاوى القضائية ضد وسائل الإعلام المستقلة لاستنزاف مواردها، في مواقف مستنسخة من ترامب، الذي أقام دعاوى بمليارات الدولارات ضد شبكة "إيه بي سي نيوز"، و"نيويورك تايمز"، و"وول ستريت جورنال"، وهيئة الإذاعة البريطانية!

ومع اقتراب انتخابات الأحد 12 أبريل، وسواء بقي أوربنات في السلطة أو رحل عنها، يبقى أوربان نموذجا أوروبيا مستنسخا من ترامب، متبنيا خطابا عنصريا دائم البحث عن عدو، سواء في صورة خصوم سياسيين وإعلاميين وصفهم بـ"الحشرات الكريهة"، أو مهاجرين نعت سيد البيت الأبيض وبطل فضيحة أبستين الجنسية بلدانهم بـ"الأماكن القذرة"، وكأنهما نسخة بشرية معدلة من النعجة دوللي!

المصادر

  • ذا جارديان
  • بي بي سي
  • دويتشه فيله
  • ناشيونال ليبراري أوف ميديسين
  • فرانس 24
الجريدة الرسمية