رئيس التحرير
عصام كامل

مصر والخليج.. وفخ الوقيعة

18 حجم الخط

في دهاليز السياسة العربية، ثمة حقائق صلبة لا تطويها الأيام، وقواعد راسخة لا تمحوها تغريدة هنا أو هناك أو "تريند" مفتعل على منصات التواصل الاجتماعي. غير أن ما شهدته الأيام الأخيرة من تلاسن وضجيج إلكتروني بين مصريين وخليجيين، لم يكن مجرد سحابة صيف عابرة، بل كان جرس إنذار يستدعي وقفة للمراجعة، واستنطاقًا لعمق الروابط التي تجمع مصر بالسعودية والإمارات وقطر وسلطنة عمان والبحرين في لحظة إقليمية هي الأكثر تعقيدًا منذ عقود.


لقد بدا المشهد على السوشيال ميديا وكأنه انفصال عن الواقع؛ حيث انخرطت حسابات –بعضها مجهول الهوية وبعضها يدار من إسرائيل وبعضها مدفوع بجهل سياسي– في معارك كلامية نالت من ثوابت العلاقات التاريخية. لكن، وكما تقتضي حكمة رجال الدولة، جاءت اتصالات الرئيس عبد الفتاح السيسي بقادة دول الخليج لتعيد ضبط البوصلة، وتؤكد أن ما يُطبخ في غرف القرار الاستراتيجي أعمق بكثير من أن ينال منه هراء المنصات.


هذه الاتصالات لم تكن مجرد بروتوكول لتطييب الخواطر، بل كانت رسائل سياسية حاسمة بأن مصر لا تنسى وقفات أشقائها معها، وأن الخليج يدرك –بيقين الجغرافيا– أن مصر هي حائط الصد الأخير، وأن أمنها القومي هو الامتداد الطبيعي لأمن الجزيرة العربية.
 

حين أطلق الرئيس السيسي منذ سنوات تعبير "مسافة السكة"، لم يكن مجرد شعار تعبوي أو جملة إنشائية لإرضاء السامعين، بل كان تعبيرًا عن عقيدة أمنية ترى في الخليج العربي عمقًا حيويًا لمصر. هذه العقيدة التي تُرجمت في مناورات عسكرية واتفاقات أمنية، كانت تأكيدًا على أن القاهرة مستعدة للتحرك في اللحظة التي يواجه فيها الأشقاء تهديدًا وجوديًا.. وهنا تبرز أهمية الفهم المشترك؛ فمصر القوية هي ضمانة للخليج، وخليج مستقر ومزدهر هو رئة اقتصادية لمصر.


إن عبارة "مسافة السكة" كانت -ولا تزال- تعبيرًا عن متانة الجسر الممتد بين القاهرة والعواصم الخليجية، وأن الأمر ليس خيارًا دبلوماسيًا قابلًا للمراجعة، بل هي قيد وجودي تفرضه وحدة اللغة، ووحدة الدين، ووحدة المصير الذي لا يفرق بين نيل مصر وشطآن الخليج.
 

إن محاولات النفخ في كير الخلافات عبر الفضاء الافتراضي تستهدف بالأساس خلخلة الكتلة العربية الصلبة في مواجهة المشروعات الإقليمية المتربصة بالمنطقة. فإضعاف الثقة بين القاهرة والعواصم الخليجية هو هدية مجانية لكل من يطمع في إعادة رسم خارطة المنطقة وفق أهواء إمبراطورية قديمة.
 

ويمكن النظر في هذا الإطار إلى الجولات المكوكية الأخيرة التي قام بها وزير الخارجية الدكتور بدر عبد العاطي، إلى العواصم الخليجية باعتبارها هجومًا دبلوماسيًا مضادًا لاستعادة زمام المبادرة. فقد حمل عبد العاطي في حقيبته رؤية الدولة المصرية التي ترى في أمن الخليج جزءًا لا يتجزأ من أمنها القومي، مؤكدًا أن التنسيق بين القاهرة والرياض وأبوظبي والكويت والمنامة والدوحة، هو حجر الزاوية في بناء أي نظام إقليمي قادر على الصمود أمام الأطماع الخارجية.


إن العلاقة بين مصر والخليج ليست علاقة "مانح ومستفيد"، بل هي قدر جغرافي وتاريخي لا يملك أحد رفاهية القفز فوقه. فمصر بكتلتها البشرية وتاريخها العسكري، والخليج بثقله السياسي والمالي، يشكلان معًا جناحي الأمة العربية اللذين لا يمكن بدونهما التحليق في سماء عالم لا يعترف إلا بالأقوياء والمتكتلين.


قد تشتعل الحرائق على "تويتر" أو "فيس بوك"، وقد ينزلق البعض في فخ الاستقطاب وترويج الشائعات، لكن الحقيقة تظل كامنة في دفاتر العلاقات السياسية. إن الاتصالات الرئاسية الأخيرة كانت صمام أمان أعاد الأمور إلى نصابها، مذكرًا الجميع بأن "مسافة السكة" ليست مسافة مكانية فحسب، بل هي مسافة وجدانية ومصيرية.

إن الدرس المستفاد من أزمة السوشيال ميديا هو ضرورة تحصين الوعي الشعبي ضد حملات التشكيك، وإدراك أن المصير العربي واحد؛ فإذا اهتزت القاهرة ارتبكت العواصم، وإذا استقر الخليج تنفس النيل الصعداء. القوة في وحدتنا، والضعف في تفرقنا خلف شاشات الهواتف التي قد تفرق ما جمعته دماء التاريخ المشترك.

الجريدة الرسمية