بابا الفاتيكان في مواجهة ترامب.. من معركة ظل إلى صدام علني.. البابا ليو الرابع عشر: أيديكم ملطخة بالدماء والرب لا يستجيب لصلوات دعاة الحروب
بابا الفاتيكان، منذ اللحظة التي ارتفع فيها الدخان الأبيض من مدخنة الكنيسة السيستينية في 8 مايو 2025، لم يكن صعود البابا ليو الرابع عشر إلى قمة الهرم الكاثوليكي حول العالم مجرد تتويج ديني، بل إعلانا لمسار مختلف عن سلفه البابا فرانسيس؛ مسار اختار فيه بابا الفاتيكان الجديد الاصطدام بسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الباحثين عن إشعال حروب تلتهم الشرق الأوسط، وتضع العالم كله على “فوهة بركان”.
وعلى مدى 11 شهرا، خاض بابا الفاتيكان معركة تدرجت من حرب ظل خفية إلى صراع علني ضد ترامب، معلنا رفضه استخدام الدين لتبرير الحروب، ومطالبا بالسلام وحماية الأبرياء في غزة والشرق الأوسط وإيران؛ قائلا: الرب لا يستمع إلى صلوات الذين يشنون الحروب، بل يرفضها؛ والرب يقول: حتى لو صليتم كثيرا، فلن أستمع إليكم، فأياديكم ملطخة بالدماء.
كما ظهر بابا الفاتيكان في قداس سهر الفصح، والذي تنظر إليه الكنيسة الكاثوليكية باعتباره القداس الأكبر، حاملا شمعة طويلة مضاءة عبر القاعة المظلمة والصامتة، داعيا لأن يجلب عيد الفصح الوئام والسلام إلى عالم مزقته الحروب؛ فيما توقف حاملو الشموع لإشعال شموع المصلين أثناء سيرهم في الممر المركزي، ناشرين خيوط الضوء في أرجاء الكاتدرائية المظلمة، داعين إلى الالتزام حتى يزدهر الوئام والسلام في كل مكان وفي كل زمان حول العالم.
رد على الإشارات الدينية لإدارة ترامب
على الرغم من أن بابا الفاتيكان اعتاد توجيه رسائل رمزية دون ذكر اسم شخص أو دولة على وجه الخصوص، إلا أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران شهدت خروجا عن ذلك النهج؛ حيث قال: جرى إبلاغي أن الرئيس ترامب صرح مؤخرا برغبته في إنهاء الحرب، آمل أن يكون يبحث عن مخرج، آمل أن يبحث عن طريقة للحد من العنف والقصف، الأمر الذي سيساهم بشكل كبير في القضاء على الكراهية المتنامية باستمرار في الشرق الأوسط وأماكن أخرى.

وجاءت تلك الدعوات في وقت تزايدت فيه مشاهد خضوع ترامب لطقوس دينية داخل البيت الأبيض على يد عدد من المبشرين الإنجيليين في المكتب البيضاوي. قبل أن يخرج ترامب بتصريحات تربط بين الحرب على إيران والدين، قائلا: الوقت المتبقي ثماني وأربعون ساعة قبل أن تهطل عليهم “نيران الجحيم. المجد لله”.
فيما ظهر وزير الحرب الأمريكي بيت هيجسيث، وهو يترأس صلوات مسيحية في البنتاجون من أجل “عنف ساحق ضد أولئك الذين لا يستحقون الرحمة”، داعيا إلى الصلاة “كل يوم وعلى الركبتين من أجل تحقيق نصر عسكري في الشرق الأوسط باسم السيد المسيح”، في إشارة إلى الحرب على إيران.
ووصف هيجسيث، الذي أكد أنه سيجعل من تلك الصلوات حدثا شهريا، ترامب بأنه “مختار من الله”، مضيفا: كتب كل شيء من أجلنا على الصليب، وهذا يمنحني القوة للمضي قدما، بحسب جريدة “نيويورك تايمز” الأمريكية.
سطروا نهاية للفزع في غزة
ولد بابا الفاتيكان في مدينة شيكاغو الأمريكية في 14 سبتمبر 1955؛ ونشأ في عائلة كاثوليكية؛ وحصل على بكالوريوس في الرياضيات من جامعة فيلانوفا عام 1977، ثم التحق بكلية اللاهوت في شيكاغو، حيث أكمل دراسته اللاهوتية، وأُرسل إلى بيرو في ثمانينيات القرن الماضي حيث ركز مهامه على تعليم المجتمعات المحلية ودعم الفئات المهمشة؛ وعاد إلى الولايات المتحدة في أوائل تسعينيات القرن الماضي لتولي مناصب إدارية في رهبانيته، قبل أن يعين في عام 2023 كرئيس دائرة الأساقفة، وهو منصب إداري يشرف على تعيين الأساقفة حول العالم.
وخلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، دعا بابا الفاتيكان إلى ضرورة وقف إطلاق النار فى غزة والاحترام الكامل للقانون الإنسانى الدولى، مضيفا: من قطاع غزة، ترتفع صرخات الأمهات والأباء إلى السماء وهم يحملون جثث أطفالهم الهامدة، ويضطرون باستمرار إلى التنقل بحثا عن القليل من الطعام والمأوى الآمن من القصف المكثف؛ أوجه ندائي إلى المسئولين، أوقفوا القتال؛ أوقفوا حرب غزة وسطروا نهاية للفزع والموت في الأرض المقدسة.
ارحموا النازحين في خيام غزة
وفي تصريحات لاحقة، قال بابا الفاتيكان: “كيف لنا ألا نفكر في الخيام في غزة، التي ظلت لأسابيع مكشوفة أمام المطر والرياح والبرد؟ انظروا إلى هشاشة السكان العزل الذين اختبروا العديد من الحروب، سواء تلك المتواصلة أو التي انتهت، مخلفة الركام والجروح المفتوحة”.
كما اختار البابا ليو الرابع عشر لبنان لكي تكون محطته الخارجية الأولى، ما اعتبر حدثا تاريخيا حيث حملت الزيارة رسائل سلام وأمل ودعم في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان والمنطقة جراء الاعتداءات الإسرائيلية على عديد البلدان العربية؛ فضلا عن زيارته إلى تركيا في مشهد حمل العديد من الدلالات الرمزية.
نخبة ترامب الفاسدة تتمسح بالدين
لم تتوقف انتقادات بابا الفاتيكان عند حدود ملفات الحروب والسياسات الخارجية، وإنما امتدت إلى الداخل الأمريكي، حيث أعرب عن قلقه إزاء معاملة المهاجرين في الولايات المتحدة في نوفمبر 2025، قائلا: أدعو إلى تأمل عميق في هذه المسألة. ويسوع يقول بوضوح تام يوم القيامة سوف نسأل: كيف استقبلتم الأجنبي؟
وفي إطار ما يمكن وصفه بالمواجهة عن كثب: قال بابا الفاتيكان: كل ضحايا الحروب والمجازر والإبادات، واليتامى والمهاجرين والنازحين والمعذبين، حاضرون في هذه الصلوات. إن البشرية جاثمة على ركبتيها أمام العنف والوحشية، والمسيح جاء ليطهرنا من الأصنام والآثام، ومن أولئك الذين يرون قوتهم في السيطرة، ويسعون إلى النصر بالقضاء على الآخرين، ويعتبرون أن الرهبة منهم هي مصدر عظمتهم ومجدهم.
وبحسب تقارير إعلامية، من المرجح أن تستمر المواجهة الخفية بين بابا الفاتيكان وترامب، مع بقاء البابا صامدا في الدفاع عن السلام والعدالة، في مواجهة سياسات الحرب والعنف "الترامبية"، بعدما لجأ ترامب ونخبته إلى الدين كوسيلة للهرب من فضائح جنسية وأخلاقية لا تنتهي، وهي فضائح ما زالت أصداؤها حبيسة وثائق ورسائل ملياردير الجنس الأمريكي الراحل جيفري أبستين.




