رئيس التحرير
عصام كامل

ترامب يكرر أخطاء العراق وليبيا في إيران.. "ذا ناشيونال إنترست": طهران ليست بغداد.. والفشل الأمريكي يهدد الأمن النووي في الشرق الأوسط.. ويزيد المجاعات في آسيا وأفريقيا

عمليات تحميل الذخائر
عمليات تحميل الذخائر على متن مقاتلة أمريكية، فيتو
18 حجم الخط

في ظل تصاعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، يعود إلى الواجهة سؤال جوهري طالما ارتبط بالتدخلات العسكرية الكبرى وهو: ماذا بعد الحرب؟

سؤال حاول الإجابة عنه أستاذ القانون الدولي والمستشار الأسبق للأمم المتحدة إريك ألتر، محذرا من خطورة تكرار أخطاء الماضي، والتي تجسدت بقوة في التجربتين العراقية والليبية كنموذجين لفشل التخطيط لمرحلة ما بعد إسقاط الأنظمة.

ويشدد ألتر في مقال نشره موقع “ذا ناشيونال إنترست” الإمريكي على أن الحالة الإيرانية تبقى أكثر تعقيدا وتشابكا، سواء من حيث بنيتها الداخلية أو امتداداتها الإقليمية، ما يجعل أي سيناريو لتغيير النظام الإيراني عرضة لتداعيات غير محسوبة. 

قصف قريب من مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية في طهران
قصف قريب من مبنى هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية في طهران، فيتو

فتحت عنوان “هل تمتلك الولايات المتحدة خطة “لليوم التالي” في إيران؟”، يقول ألتر: ما دمر العراق بعد عام 2003 لم يكن الحرب بحد ذاتها، بل الفشل في التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب. وقد ينتهي الأمر بإيران على نحو مشابه؛ فقد انطفأت الأنوار في بغداد في أبريل 2003 وبقيت كذلك لسنوات، ليس لأن شبكة الكهرباء تعرضت للقصف، بل لأن الأشخاص الذين كانوا يعرفون كيفية تشغيلها تم إقصاؤهم. 

ويضيف: أدى قرار رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة بول بريمر بحل الجيش العراقي وإقصاء حزب البعث من مؤسسات الدولة خلال أسبوع واحد في مايو 2003، إلى تجريد البلاد من المهندسين والإداريين والضباط الذين كانوا يحافظون على ما تبقى من النظام. وأصبح نحو 400 ألف رجل مسلحين بلا رواتب أو هدف، مشبعين بكل أسباب الغضب.

الفشل الأمريكي في العراق خلق تنظيمات إرهابية

بحسب المقال، من قلب ذلك القرار نشأت تنظيمات مثل القاعدة في العراق، ولاحقا تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)؛ ولم يكن انتشار الجماعات الإرهابية حتميا من الناحية الأيديولوجية، بل كان نتاج فشل محدد كان يمكن تجنبه في التخطيط لمرحلة ما بعد الانتصار العسكري.

ويقول ألتر: أما ليبيا، فكانت التجربة أسرع وأسوأ في 2011، حيث أطاح حلف الناتو بالرئيس الليبي الراحل معمر القذافي دون وضع خطة واضحة لليوم التالي لاختفائه من المشهد؛ وترك الأمر لمليشيات باتت تسيطر على ليبيا اليوم نتيجة تدخل مباشر دمر الدولة الليبية وتركها تتفكك ثم انسحب.

ويتابع: الدرس المتكرر عبر سبعة عقود من التدخلات العسكرية الغربية في الشرق الأوسط هو أن هذه التدخلات خلقت فجوة بين الانتصار العسكري وقيام سلطة شرعية، وهي الفجوة التي يملؤها من يكون أكثر تنظيما وتسليحا.

إيران نسخة أكثر تعقيدًا 

تمثل إيران نسخة أكثر تعقيدا من هذه المشكلة في معظم الجوانب. ورغم أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تحدد نوع “تغيير النظام” الذي تريده أو كيفية تحقيقه، فمن الواضح أنها تسعى إلى تغييرات كبيرة في بنية الحكم والسياسات الداخلية في إيران، وفق “ناشيونال إنترست”.

فصائل مسلحة عراقية تتجه نحو السفارة الأمريكية في بغداد عقب اغتيال المرشد الإيراني الأعلى الراحل علي خامنئي
فصائل مسلحة عراقية تتجه نحو السفارة الأمريكية في بغداد عقب اغتيال المرشد الإيراني الأعلى الراحل علي خامنئي، فيتو

يقول الاستشاري الأسبق في الأمم المتحدة: جرى رسم حدود العراق على يد مسؤول بريطاني يدعى مارك سايكس عام 1916، بناء على خريطة لم يدرسها بعناية، خلال مفاوضات مع الدبلوماسي الفرنسي فرانسوا جورج بيكو، الذي كانت له مصالحه الخاصة. 

يضيف ألتر: كانت الهوية الوطنية التي يفترض أن توحد العراق محل نزاع دائم ولا تزال كذلك إلى حد كبير. أما إيران فهي حضارة حكمت نفسها بأشكال مختلفة لأكثر من ألفي عام. وعندما ينزل الإيرانيون إلى الشوارع - كما حدث في 2009 و2019 و2022 ويناير 2026- فإنهم يتجادلون حول شكل إيران التي يريدونها، وليس حول وجودها بحد ذاته، كما هو الحال في العراق.

بنية الحرس الثوري الإيراني

ويشير كاتب المقال إلى أن بنية الحرس الثوري الإيراني الإقليمية تجعل مسألة "اليوم التالي" في إيران مختلفة عن أي حالة سابقة. فحزب الله يمتلك موارده ومؤسساته وتمثيله السياسي، وكذلك الحوثيون وقوات الحشد الشعبي وشبكات النفوذ في سوري؛ وهي كيانات نشأت بدعم إيراني لكنها طورت استقلالها الخاص. ومع انقطاع الصلة بطهران، قد تفقد هذه الجماعات القيود كما تفقد الدعم، ما يجعلها أكثر استقلالية وتنافسية وغير قابلة للتنبؤ في بيئات هشة أصلًا.

وبالنسبة لمسألة اليورانيوم، يقول ألتر: تعرضت منشأة أصفهان للتخصيب لضربات أمريكية -إسرائيلية في يونيو 2025، لكن لا أحد يعرف مقدار اليورانيوم عالي التخصيب الذي نجا أو مكان وجوده الآن، خاصة بعد تدمير أجهزة المراقبة. ولم تواجه أي دولة استهدفت سابقا بعمل عسكري غربي برنامجا نوويا متقدمًا كإيران. ولذلك، فإن مصير هذا اليورانيوم خلال أي انتقال سياسي ليس ملفا قابلا للتأجيل، بل مسألة يجب أن توجه الاستراتيجية الأمريكية.

زرع مضيق هرمز بالألغام يهدد بمجاعة

“التهديد الإيراني بزرع الألغام في مضيق هرمز واستهدافه بالصواريخ، يكفي لرفع تكاليف التأمين ومنع حركة السفن. وقد ارتفع سعر نفط برنت إلى 112 دولارا بحلول 27 مارس. وبينما يمثل ذلك أزمة سياسية في الولايات المتحدة، فإنه يعني الجوع في دول مثل باكستان وبنجلاديش ومناطق الساحل الأفريقي”، بحسب المقال.

ويضيف: في عام 2003، حلم الليبراليون العراقيون ببناء عراق ديمقراطي بعد صدام حسين؛ وكانوا جادين في ذلك؛ لكنهم غلبوا بسبب الظروف التي خلقها الاحتلال الأمريكي للعراق مثل الفراغ الأمني، والمليشيات المدعومة من إيران، وعجز سلطة الائتلاف عن توفير بيئة تسمح بعمل السياسة المدنية في تجربة أثبتت أن الظروف أهم من الأشخاص؛ وهو ما لمن تستوعبه الإدارة الأمريكية والتي باتت تتخذ قرارات دون أي دليل على أنها فكرت بعمق قبل اتخاذها.

وينهي ألتر مقاله قائلا: يبقى السؤال الذي يخيم على حرب إيران هو نفسه الذي ظل بلا إجابة في العراق: هل الولايات المتحدة مستعدة لما سيأتي بعد ذلك؟ في العراق، استغرق الأمر 20 عاما ومئات الآلاف من الأرواح للإجابة عن هذا السؤال؛ ولا أحد يعرف كيف سيكون المشهد في إيران.

  • الفيديو المرفق يوضح وصول سفينة الإنزال الهجومية البرمائية “يو إس إس تريبولي” إلى منطقة الشرق الأوسط، وعلى متنها 3500 جندي من مشاة البحرية الأمريكية.
الجريدة الرسمية