رئيس التحرير
عصام كامل

إبستين وعصا موسى

18 حجم الخط

لم تكن قضية جيفري إبستين مجرد ملف جنائي عن جرائم اتجار جنسي واستغلال اطفال وقاصرات، بل تحولت سريعا إلى مرآة تعكس خللا واضحا في الوعي الجمعي، فبين الحقائق الموثقة والأسئلة المطروحة حول النفوذ والسلطة، نشأت روايات ملغمة بالألغاز التي أخفت وراءها الحقائق.

إبستين كونه رجل مال ونفوذ، كشف عوارا عميقا في منظومة العدالة فأغلب الأسماء المذكورة في تسريبات قضيته مرتبطة برجال سلطة مؤثرين، لم تكن اللعبة فردية ولم تكن الجريمة مقتصرة على جهة واحدة، وهذا ما يثير الكثير من الشكوك.

في الفلسفة السياسية، ينظر إلى التسريبات لا بوصفها شفافية مطلقة، بل كأداة قوة، بالتوقيت وطريقة العرض والجرعات، كلها عناصر تدل على أن القضية تدار داخل لعبة سياسية محكمة ولكنها ما زالت غامضة، ربما تستخدم كورقة ضغط أو لإعادة ترتيب التحالفات.

المرعب بالأمر أن القضية ليست جديدة، بل يرجع تاريخها لمنتصف التسعينات منذ عام 1994 حين بدأت شكاوي غير رسمية من فتيات قاصرات بأمريكا، حول استغلالهن جنسيا داخل منازل إبستين، هذه الشهادات بقيت غير معلنة حتى أول تحقيق رسمي عام 2005، وبدأت التساؤلات حول نفوذ إبستين وصلاحياته مع محاكمته عام 2008 حين حكم عليه بـ 18 شهرا فقط مع السماح له بالخروج يوميا، ما جعل ذلك لاحقا فضيحة قضائية بسبب الحماية غير المبررة.

وما بين 2015 إلى 2018 توافدت التسريبات الموثقة ليعاد فتح الملف من جديد، ويتم القبض عليه وسجنه عام 2019 بتهمة الاتجار بالقاصرات وإدارة شبكة استغلال، ولم يلبث بمحبسه إلا شهرا واحدا حيث وجد ميتا في زنزانته بنيويورك قبل محاكمته، ومنذ ذلك الوقت لم تفتح القضية دوليا بهذا الحراك الإعلامي إلا الآن، لتكشف الستار عن شركاء غير متوقعين، فلماذا؟ ولصالح من؟!

ومع انتشار استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح من السهل توليد صور ووثائق وفيديوهات تحمل مفاجآت غريبة وربما غير منطقية، بل تحولت تلك الوثائق المسربة لأداة بأيدي أي شخص، يضيف من يشاء لسجلاتها، ويصور من يختلف مع آرائه حاملا طفلا بشكل مريب يشعل نيران الفتنة ويشتت العقول!

ومن المتوقع بالأيام القادمة الزج بأسماء أكثر إثارة، وأعتقد أن ما يدور الآن ما هو إلا لعبة عصا موسى، لعبة السياسة القديمة والمستمرة عبر العصور، تلك العصا التي تبهر الأعين وتعميها إذا أرادت، باستخدام ثعابينها الاصطناعية.

الجريدة الرسمية