رئيس التحرير
عصام كامل

رؤية تحليلية بـ «ذا اتلانتيك» تكشف خطة إيران لهزيمة ترامب في غرفة المعيشة

إيران، فيتو
إيران، فيتو
18 حجم الخط

قال كبير الباحثين فى مؤسسة كارنيجي للسلام، والمتخصص فى الشأن الإيراني، كريم سجادبور، أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أدركت منذ عقود، أن نقطة ضعف أمريكا ليست فى موازين القوى العسكرية فقط.

إيران تدرك نقطة ضعف أمريكا

ورأي سجادبور فى مقال له بصحيفة " ذا اتلانتيك" الأمريكية، أن إيران منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، أدركت مبكرًا أن نقطة ضعف الولايات المتحدة ليست فقط في موازين القوة العسكرية، بل في طبيعة النظام الديمقراطي الأمريكى نفسه، أي في الرأي العام والانتخابات وحساسية المجتمع الأمريكى تجاه الخسائر البشرية والاقتصادية.

وتابع كبير الباحثين فى مؤسسة كارنيجي للسلام: من هنا لم تكن طهران تحتاج دائمًا إلى هزيمة واشنطن عسكريًا بشكل مباشر، بل إلى جعل كلفة الحرب محسوسة داخل البيت الأمريكى، بحيث يشعر المواطن بأن الحرب وصلت إلى “غرفة المعيشة” لديه، عبر صور القتلى، وارتفاع الأسعار، والانقسام السياسي، والضغط الشعبي على رئيس البلاد.

واستند كريم سجادبور، فى رؤيته إلى 3 محطات تاريخية لشرح هذه الفكرة.

المحطة الأولى: هي أزمة الرهائن الأمريكيين في طهران بعد الثورة الإيرانية، حين احتُجز 52 أمريكيا لمدة 444 يومًا، في أزمة ألحقت ضررًا كبيرًا بإيران اقتصاديًا ودبلوماسيًا، لكنها في المقابل ساهمت، في إضعاف الرئيس الأمريكى الأسبق، جيمي كارتر، سياسيًا وضرب فرصه الانتخابية، وخلص إلى أن إيران خرجت بدرس مبكر: قد تخسر اقتصاديًا، لكنها تستطيع أن تُربك النظام السياسي الأمريكى من خلال الضغط النفسي والسياسي على الداخل فى الولايات المتحدة. 

إيران هزمت ريجان بتفجيرات لبنان عام 1983

المحطة الثانية: كانت لبنان في الثمانينيات. وفق سجادبور، فإن إيران عبر وكيلها حزب الله الناشئ آنذاك، نفذت هجمات كبرى ضد الوجود الأمريكى، أبرزها تفجير سفارة واشنطن في بيروت عام 1983، ثم تفجير مقر قوات المارينز الذي قُتل فيه 241 جنديًا أمريكيا، والرسالة التي يستخلصها الكاتب من هذه التجربة هي أن الرئيس ريجان، رغم خطابه الصلب، واجه في النهاية ضغطًا داخليًا وشعورًا شعبيًا متزايدًا بعدم جدوى البقاء في لبنان، ما انتهى بانسحاب القوات الأمريكية، وكانت هذه سابقة مهمة أثبتت لطهران أن الولايات المتحدة يمكن دفعها إلى التراجع عندما تتحول الحرب إلى عبء داخلي سياسي وشعبي. 

ريجان يستقبل جثامين قتلى تفجيرات بيروت 1983، فيتو
ريجان يستقبل جثامين قتلى تفجيرات بيروت 1983، فيتو

انتقل الباحث المتخصص فى الشأن الإيراني، إلى العراق بعد 2003 باعتباره التطبيق الأوضح لهذه الاستراتيجية، فبدلًا من مواجهة واشنطن مباشرة، رأي أن إيران عملت على جعل العراق ساحة فوضى واستنزاف، عبر دعم فصائل وميليشيات مختلفة وتعزيز بيئة تجعل الحرب غير قابلة للحسم. 

 

ويشير نص المقال، إلى أن إيران لم تكن تحتاج إلى الانتصار عسكريًا على القوات الأمريكية، بقدر ما كانت تحتاج إلى جعل الأمريكيين يقتنعون بأن الحرب خطأ ومكلفة وغير قابلة للربح، والنتيجة وقتها، أن إدارة جورج بوش فقدت تدريجيًا الغطاء الشعبي اللازم للاستمرار، مع ازدياد القناعة داخل الرأي العام بأن الحرب كانت خطأ.

استخدام النسخة الحديثة من الاستراتيجية نفسها عبر مضيق هرمز

يشير سجادبور، إلى إن إيران تحاول اليوم استخدام النسخة الحديثة من الاستراتيجية نفسها في الحرب الحالية، لكنها هذه المرة لا تعتمد فقط على التفجيرات والعبوات الناسفة كما في لبنان والعراق، بل على الصواريخ والمسيرات والجغرافيا، وبصورة خاصة على مضيق هرمز.

يرى أن طهران، غير القادرة على مجاراة الولايات المتحدة وإسرائيل في التفوق العسكري المباشر، تلجأ إلى ورقتها الأهم: تهديد الممر الأهم للطاقة العالمية، وتعطيل الملاحة، ورفع كلفة التأمين والشحن، وإرباك أسواق النفط العالمية، ومن ثم نقل أثر الحرب إلى جيب المواطن الأمريكى عبر أسعار البنزين والسلع الأخري.

مضيق هرمز، فيتو
مضيق هرمز، فيتو

وشدد، على أن المعركة الحقيقية، في نظر إيران، ليست فقط في الخليج أو السماء أو البحر، بل داخل المجتمع الأمريكى نفسه، فكلما ارتفعت أسعار الوقود والمواد الأساسية، وتزايد الاستقطاب الحزبي، واتسعت المعارضة للحرب، اقتربت طهران من تحقيق هدفها الاستراتيجي: ليس هزيمة أمريكا عسكريًا، بل جعل استمرار الحرب سياسيًا غير محتمل

 ويربط سجادبور بين تعطيل مضيق هرمز والضغط على قاعدة ترامب الشعبية، وخصوصًا الفئات المحافظة أو “الترامبية” الأكثر حساسية تجاه الأعباء المعيشية اليومية. 

 

ولفت فى النهاية، إلى أن الحرب الحالية لم توحد الأمريكيين كما حدث في حروب سابقة، بل كشفت انقسامًا واضحًا، وعرض صورة مفادها، أن الديمقراطيين بمعظمهم ضد الضربات، وأن المستقلين يميلون أيضًا إلى المعارضة، وأن حتى الجمهوريين ليسوا كتلة واحدة تجاه دعم قرار الحرب، إذ يظل مؤيدو “ماجا” أكثر دعمًا، بينما ينقسم الجمهوريون الآخرون، ومن ثم، فإن إيران، تراهن على أن اتساع الانقسام الداخلي الأمريكى قد يكون أهم من أي إنجاز ميداني مباشر فى الحرب.

 

 

الجريدة الرسمية