ملحمة طابا.. مصر تستعيد المدينة الحدودية بعد معركة قانونية ودبلوماسية فاصلة.. إسماعيل شيرين البطل الحقيقي في القضية.. وهذا أبرز ما قاله مفيد شهاب
في مثل هذا اليوم، 19 مارس عام 1989، عادت مدينة طابا إلى السيادة المصرية، بعد أن ادعت إسرائيل ملكيتها لها لضمان منفذ على البحر الأحمر، وساد النزاع على 13 علامة حدودية للمدينة، حتى وصل إلى التحكيم الدولي، وتم رفع العلم المصري عليها، وهو يوم تاريخي لن ينساه المصريون.
قام الرئيس الأسبق حسني مبارك برفع العلم المصري على مدينة طابا في مثل هذا اليوم، لتكتمل عودة الأراضي المصرية في سيناء إلى السيادة الوطنية، وعادت طابا مدينة مصرية كما كانت، وهي الآن من أشهر المناطق السياحية في مصر، يقصدها السياح من جميع أنحاء العالم.

واستندت مصر في أحقيتها في طابا إلى انسحاب الإسرائيليين من سيناء، بما فيها طابا، إلى الحدود الدولية عقب العدوان الثلاثي عام 1956، لكن الإسرائيليين تحججوا بأن هذا الانسحاب كان خطأ، وأن موقفهم قائم على اتفاقية 1906 الخاصة بترسيم الحدود بين مصر والدولة العثمانية.
لجنة قانونية في المحكمة الدولية
ولجأت مصر إلى التحكيم الدولي لعودة طابا إلى السيادة المصرية، وتشكلت لجنة مصرية للمشاركة في التحكيم والدفاع عن أحقية مصر، وضمت كلًا من الدكتور وحيد رأفت أستاذ القانون، الذي قدم مذكرة قانونية وافية شملت القوانين والتشريعات الدولية التي أثبتت حق مصر في طابا، والمؤرخ يونان لبيب رزق الذي أطلق على معركة استرداد طابا "معركة العصر"، والدكتور مفيد شهاب أستاذ القانون الدولي، والدبلوماسي نبيل العربي، والخبير العسكري اللواء عبد الفتاح محسن.
وتنوعت الأدلة التي قدمها الفريق المصري للمحكمة، وشملت الوثائق التاريخية التي احتلت مكان الصدارة، والخرائط، والمجسمات الطبيعية، والإحداثيات الشبكية، وكتابات المعاصرين، والزيارات الميدانية إلى مناطق الخلاف وبقايا أعمدة الحدود، فضلًا عن شهادات الشهود.

وبعد استعراض الوثائق والمستندات والخرائط، ثبتت أحقية مصر في طابا، وأزالت إسرائيل جميع منشآتها التي أقامتها خلال فترة الاحتلال التي امتدت 22 عامًا، ما عدا فندق سونستا طابا الذي اشترته الحكومة المصرية من إسرائيل.
إسماعيل شيرين.. البطل الحقيقي
ويُذكر الفضل في تقديم وثائق حاسمة لأحقية مصر في طابا إلى رجل القوات المسلحة إسماعيل شيرين، آخر وزير حربية في العهد الملكي. فبعد أن قدم الفريق المصري ما لديه من وثائق وخرائط، فتحت المحكمة الدولية باب الشهود، فتقدم إسماعيل شيرين متطوعًا رغم أنه لم يُطلب للشهادة، حيث لم ينس انتماءه لوطنه.

وجاءت شهادته داعمة للحق المصري، إذ أكد أنه كان قائدًا للكتيبة المصرية في طابا، واحتفظ بخطابات رسمية أرسلها من هناك إلى أسرته، إضافة إلى ردود تحمل أختام بريد طابا، وصور له مع أفراد الجيش المصري داخل المدينة، وهو ما عزز موقف مصر أمام هيئة التحكيم.
انتصار الدبلوماسية المصرية
وفي قاعة مجلس مقاطعة جنيف عام 1988، صدر الحكم بأغلبية أربعة أصوات مقابل اعتراض صوت واحد، هو صوت القاضية الإسرائيلية، بأحقية مصر في طابا، لتنتصر الدبلوماسية المصرية وتستعيد أرضها كاملة دون نقصان.

ويعلق الدكتور مفيد شهاب، أحد أعضاء لجنة استرداد طابا، قائلًا إن مصر خاضت معركة قانونية طويلة، ورفضت أي حلول وسط غير ملزمة، وأصرت على التحكيم الدولي حتى يكون الحكم نهائيًا قائمًا على القانون الدولي.
وأضاف أن المفاوضات انتهت بتأكيد انسحاب إسرائيل كاملًا من سيناء، وبعد زيارات ميدانية ودراسة الأدلة، أصدرت المحكمة حكمها بأحقية مصر في طابا، وإلزام إسرائيل بالانسحاب الفوري منها.
ويعد استرداد طابا نصرًا قانونيًا وقضائيًا مكمّلًا للنصرين السياسي والعسكري، وفي مقدمتهما انتصار حرب أكتوبر 1973، ليبقى هذا اليوم شاهدًا على قدرة مصر على استعادة حقوقها بكافة الوسائل.
