حكم دعاء ختم القرآن في قيام الليل بشهر رمضان
في هذا الشهر الفضيل شهر رمضان يداوم الكثيرون على قراءة وتلاوة كتاب الله وختمه، ويعدونها فرض عين على كل مسلم، وقد تواردت النصوص في بيان جزيل ثواب من أطاع الله تعالى بصيام شهر رمضان؛ وقراءة القرآن مع صوم رمضان؛ وختم القرآن في رمضان عادة قديمة توارثتها الأجيال جيلا بعد جيل وخلال السطور التالية نستعرض معكم أحكام ختم القرآن في الصلاة وخارجها وحكم دعاء ختم القرآن في قيام الليل في شهر رمضان ونتعرف على آراء العلماء في هذا الأمر فإلى التفاصيل

حكم دعاء ختم القرآن
ليس في السنة النبوية دعاء خاص بعد ختم القرآن الكريم، ولا حتى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو الأئمة المشهورين، ومن أشهر ما ينسب في هذا الباب الدعاء المكتوب في آخر كثير من المصاحف منسوبًا لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولا أصل له عنه.انظر: "فتاوى الشيخ ابن عثيمين" (14/226).
والدعاء بعد ختم القرآن إما أن يكون بعد ختمه في الصلاة، أو خارجها، ولا أصل للدعاء بعد الختمة في الصلاة، وأما خارجها فقد ورد فعله عن أنس رضي الله عنه.
حكم الدعاء عقب ختم القرآن
قالت دار الإفتاء المصرية في فتوي لها أنه يستحب الدعاء عقب الختمة استحبابًا متأكدًا شديدًا؛ وينبغي أن يُلِحَّ في الدعاء، وأن يدعو بالأمور المهمة والكلمات الجامعة، وأن يكون معظم ذلك أو كله في أمور الآخرة وأمور المسلمين وصلاح سلطانهم وسائر ولاة أمورهم، وفي توفيقهم للطاعات، وعصمتهم من المخالفات، وتعاونهم على البر والتقوى، وقيامهم بالحق واجتماعهم عليه، وظهورهم على أعداء الدين وسائر المخالفين.. وإذا فرغ من الختمة فالمستحب أن يشرع في أخرى متصلًا بالختم؛ فقد استحبه السلف].
وقال الإمام الحافظ جلال الدين السيوطي الشافعي في "الإتقان" (2/ 713-714، ط. مجمع الملك فهد): [يُسَنُّ الدعاءُ عقب الختم؛ لحديث الطبراني وغيره عن العرباض بن سارية مرفوعًا: «مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنَ فَلَهُ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ»، وفي "الشعب" من حديث أنس مرفوعًا: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَحَمِدَ الرَّبَّ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ: فَقَدْ طَلَبَ الْخَيْرَ مَكَانَهُ»].
وعند الحنابلة: أن الدعاء بعد الختم مستحب، بل نص الإمام أحمد على استحبابه في الصلاة، وعقد العلّامة ابن القيِّم الحنبلي فصلًا ماتعًا في كتابه "جلاء الأفهام في فضل الصلاة والسلام على محمد خير الأنام" لبيان أن ختم القرآن من مواطن الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما أنه من مواطن الدعاء
فقال (ص: 402-403، ط. دار العروبة): [الموطن السابع عشر من مواطن الصلاة عليه: عقب ختم القرآن؛ وهذا لأن المحل محل دعاء، وقد نص الإمام أحمد رحمه الله تعالى على الدعاء عَقِيبَ الختمة؛ فقال في رواية أبي الحارث: كان أنس رضي الله عنه إذا ختم القرآن جمع أهله وولده، وقال في رواية يوسف بن موسى وقد سُئِلَ عن الرجل يختم القرآن فيجتمع إليه قوم فيدعون، قال: نعم؛ رأيتُ معمرًا يفعله إذا ختم، وقال في رواية حرب: أَسْتَحِبُّ إذا ختم الرجلُ القرآنَ أن يجمع أهله ويدعو..
ونص أحمد رحمه الله تعالى على استحباب ذلك في صلاة التراويح؛ قال حنبل: سمعت أحمد يقول في ختم القرآن: إذا فرغتَ من قراءتك ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع، قلت: إلى أي شيء تذهب في هذا؟ قال: رأيتُ أهلَ مكة يفعلونه، وكان سفيان بن عيينة يفعله معهم بمكة. قال عباس بن عبد العظيم: وكذلك أدركتُ الناس بالبصرة وبمكة، ويَروِي أهلُ المدينة في هذا أشياء،
وذُكِرَ عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله: أختم القرآن: أجعله في التراويح أو في الوتر؟ قال: اجعله في التراويح؛ حتى يكون لنا دعاء بين اثنين، قلت: كيف أصنع؟ قال: إذا فرغت من آخر القرآن فارفع يديك قبل أن تركع، وادع بنا ونحن في الصلاة، وأَطِلِ القيام، قلت: بِمَ أدعو؟ قال: بما شئتَ، قال: ففعلتُ كما أَمرَني وهو خلفي يدعو قائمًا ويرفع يديه.
وإذا كان هذا من آكد مواطن الدعاء وأَحَقِّها بالإجابة فهو مِن آكد مواطن الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم] اهـ..
حكم دعاء ختم القرآن في الصلاة لابن عثيمين
سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ما حكم دعاء ختم القرآن في قيام الليل في شهر رمضان؟
فأجاب: ختم القرآن في قيام الليل في شهر رمضان ليس سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن الصحابة أيضا، وغاية ما ورد في ذلك أن أنس بن مالك رضي الله عنه كان إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا. وهذا في غير الصلاة ".

حكم دعاء ختم القرآن في قيام الليل بشهر رمضان
لم يزل السلف يختمون القرآن ويقرأون دعاء الختمة في صلاة رمضان، ولا نعلم في هذا نزاعًا بينهم، فالأقرب في مثل هذا أنه يقرأ، لكن لا يُطول على الناس، ويتحرى الدعوات المفيدة والجامعة، مثل: ما قالت عائشة رضي الله عنها: "كان النبي ﷺ يستحب جوامع الدعاء، ويدع ما سوى ذلك".
والأفضل للإمام في دعاء ختم القرآن والقنوت تحري الكلمات الجامعة، وعدم التطويل على الناس، يقرأ: اللهم اهدنا فيمن هديت الذي ورد في حديث الحسن في القنوت، ويزيد معه ما يتيسر من الدعوات الجامعة، يبدأ ذلك بحمد الله، والصلاة على نبيه عليه الصلاة والسلام ويختم فيما يتيسر من صلاة الليل أو في الوتر، ولا يطول على الناس تطويلًا يضرهم ويشقّ عليهم.
وهذا معروف عن السلف، تلقَّاه الخلف عن السلف، وهكذا كان مشايخنا مع تحريهم للسنة وعنايتهم بها يفعلون ذلك، تلقاه آخرهم عن أولهم، ولا يخفى على أئمة الدعوة ممن يتحرى السنة ويحرص عليها.
و لا حرج في الدعاء في الصلاة فمن المعلوم أن الدعاء في الصلاة مطلوب عند قراءة آية العذاب، وعند آية الرحمة يدعو الإنسان عندها، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في صلاة الليل، فهذا مثل ذلك مشروع بعد ختم القرآن، وإنما الكلام إذا كان في داخل الصلاة، أما في خارج الصلاة فلا أعلم نزاعًا في أنه مستحب الدعاء بعد ختم القرآن، لكن في الصلاة هو الذي حصل فيه الإثارة الآن والبحث، فلا أعلم عن السلف أن أحدًا أنكر هذا في داخل الصلاة، كما أني لا أعلم أحدًا أنكره خارج الصلاة.


